خبر عاجل Flash News

موقع مستقل و رأي حرً

الصفحة الرئيسية Home page arrow مركز الأخبار News Center arrow عام على غياب جوزف سماحه ز جريدة الاخبار
عام على غياب جوزف سماحه ز جريدة الاخبار PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
الكاتب/ ِمدير الموقع   

  

ذكرى جوزف سماحة – جريدة الاخبار   عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمةكأنها البارحة. انتهى العام بلمح البصر. القرّاء ينتظرون إطلالته وسط الضباب الكثيف. نحن نتربّص، لا بد من أن يمرّ بقامته المنحنية قليلاً في الممشى الطويل: لدينا أشياء كثيرة نناقشها، نستوضحها، نسمعها، نحكيها... الأصدقاء تغيّرت حياتهم، والعائلة الصغيرة تسأل أيضاً متى يعود؟ من كان يتصوّر أن نمضي عاماً كاملاً من حياتنا من دون جوزف؟ عاماً مثقلاً بالغياب في قلب الدوّامة التي يشهدها لبنان والمنطقة. «وفي الليلة الظلماء...» يفتقد الفارس المتوحّد الذي عبر عصره كنيزك، صاحب الخطاب السياسي المركّب والنظرة الإنسانيّة المنفتحة. لقد اختار دائماً الرهان الأصعب. تتمة
الجميع عاتبون وحياته غابة تعبق بالحنيننوال العلي• فصول من سيرة لم تكتمل على الطريق الطويلعام مرّ على رحيله. عام من دون جوزف. الكاتبة والشاعرة الأردنيّة نوال العلي التحقت بأسرة «الأخبار» متأخرة، فلم تلتق به. لكنّها وجدته هنا في كلّ مكان. وكانت تنتابها رغبة حقيقية في التعرّف إلى الرجل الذي أسس لنا جريدة ومضى. طلبنا إليها أن تقتفي آثاره على الطريق الشائكة والمتعرّجة... وها هي تروي لنا، بالمعطيات التي توصّلت إليها، فصولاً من سيرة فريدة... هي حياة جوزف سماحةالجميع هنا يفتقد جوزف. أنا لا أعرفه، أفتقد معرفته، خصوصاً حين يتحدثون عنه، كأنّه مسافر فقط.. بيار كتب في إيميل «لا أفتقد سواه»، وأمية تبدو كمهاجر فقد أوراقه الثبوتية للتو. تتمة
الفتى المشاغب ولغة الخواجاتيحكي أصدقاؤه المقربون مفارقات مضحكة عن جوزف سماحة، منها تفاديه المشاركة في إطلالات إعلاميّة باللغة الفرنسيّة. كأنّه لم يتخلّص أبداً من تلك العلاقة الصداميّة مع لغة الخواجات، علماً بأنّه كان يُتقنها جيّداً... المسألة تعود إلى أيام الدراسة، حيث كانت الفرنسيّة من علامات التمايز الطبقي والرجعيّة السياسية اللذين تبلور وعيه ضدّهما، كما تكوّنت خياراته الراديكاليّة ضدّ البورجوازيّة والفرنكوفونيّة وما إلى ذلك! تتمة
شخصيّات ماركيزية في شارع مونوفي شارع مونو، كانت بيت العائلة ذات القرميد الأحمر. وكان جوزف الفتى وحازم وأصدقاء كثر، وجيران وغرباء يقفون على الشرفة المتداعية، ويأتي صوت والدته سيسيليا الغاضب وسُبابها من الداخل. تنتهر الشبان ليخفّفوا من وطئهم وثقلهم على تلك الشرفة رأفةً بها. وعلى هذه الشرفة نفسها، ستقف سيسيليا عشيّة الحرب الأهلية لتفرغ دلاء المياه على محازبي «الكتائب» المتجمّعين في الأسفل. تتمة
خيارات سلمىخالد صاغيّةلقد حدث أن رأيت جوزف سماحة سعيداً. ارتسمت على وجهه ابتسامة الأطفال. كان ذلك صباح 14 آب 2006. جاء باكراً إلى مبنى الكونكورد، حاملاً بيده العدد الأوّل من جريدة «الأخبار». تنظّم مجموعة من الطلاب ندوة عن كتاب «قضاء لا قدر: في أخلاق الجمهورية الثانية». يدخل رجل طويل القامة ويجلس وحيداً في آخر الصالة، في مبنى «وست هول» في الجامعة الأميركية في بيروت. تتمة
عن مغامرة اسمها... جريدة «الأخبار»!إبراهيم الأمينالعودة إلى اللحظات الأولى ستظهر الموقف في حالته الطفولية. وسوف يبدو جوزف سماحة حالماً مثل أي صحافي بمشروعه الخاص، وبتحقيق حلمه المهني. وسيبدو جوزف أصغر من قامته التي حملته رغم خفره وصمته إلى أبعد مما توقع هو أو توقّع له محبّوه وخصومه والمنافسون.
منذ عودته الأولى إلى لبنان بداية التسعينيات، حاول جوزف سماحة تقديم نموذج مختلف عن المهنة وأحوالها. وكان يرى في «السفير» المكان الأقرب الى عقله والى قلبه، واعتقد طوال الوقت أنه ليس من داع لجهد خارج هذا الملعب، وأن كل صعوبة تبرز يجب معالجتها في هذا الإطار: طلال سلمان وعائلته، الأصدقاء والزملاء. وكانت عبارته المفتاح: إن طلال صحافي قبل كل شيء، علينا الرهان على هذا الجانب القوي فيه!. تتمة

بدنا كبسي «أبو الزوز» "جوزف سماحة السياسيّ اللاسياسيّ "حازم صاغيةفي قرية نائية في الشمال، حيث كنّا سنويّاً نقضي فصل الصيف، قاد جوزف فريق القرية في «الكرة الطائرة». وكان حين ينهض بجسمه الطويل، لمواجهة الكرة وردّها إلى نحر الفريق المقابل، ترافقه هتافات المشاهدين، ولا سيّما الصبايا: «بدنا كبسي أبو الزوز».
ومرّت سنوات انقطع فيها عن الكرة تماماً. صارت السياسة وسجالات الأحزاب والمثقّفين شاغله، حتى تحوّلت صورته الشائعة من عدّاء رشيق في الملعب إلى جالس مُثبّت على كرسيّ هزّاز في بيت أمّه سيسيليا، وبين يديه إلياس مرقص وياسين الحافظ وبرنامج الحزب الشيوعيّ وردّ معارضيه عليه. تتمة

بحثاً عن أبيأميّة سماحة «كنّا بغنىً عن الحرب ونحن نُطلق جريدة جديدة»...
بعد رحيلك، أتاحت لي المدينة أن أرى أشياء كثيرة، تتجاوز أحياناً حدود المكان. غالباً ما روادني شعور بأنّ قوةً ما تحملني. أمضيت الجزء الأكبر من العام أتذكّرك، وفي بعض اللحظات أحاول أن أنساك. أردت أن أتبيّن ما بوسعي أن أعطيه بعدما لم تعد أنت ملهمي المباشر. تتمة

إنتَ كيف؟صباح أيّوبيتوجّه عمر إلى مكتبك بخطى سريعة، عيناه تبرقان، ووجهه يُنبئ بأنّ لديه «خبرية بدّا تكسّر الأرض»...
«وينو جوزف؟» لا تكاد يده تلامس مسكة الباب حتى يتنبّه للأمر. فيستدير، تحمرّ عيناه وتدمعان... «كنت بدي خبّرو خبريّة وكان رح ينبسط فيها!» يدور في أرضه، يتمتم، يعبس، ويعود أدراجه منهكاً.
في الممر الطويل هدوء تخترقه ابتسامة بعيدة. تتمة

على مين يا سيد العاشقين؟بيار أبي صعب«يا ما لك في الحب ضحايا/ بيحكو عنك روايات/ بيقولوا إنك بتألّف/ بالليلة سبع غنوات/ والغنوة الوحدة في ليلة/ تلحنها سبع مرات...».
كان يحبّ أن يمضي السهرة هنا، في خلوة ذلك الصالون البيروتي القديم الذي ينتهي عند القناطر الثلاث، في ضيافة الصديقة الغالية على قلبه. وغالباً ما أكون ثالثهما. تتمة

انفجر الشارع فعلاً... لكن في أوروبا!الى جوزف سماحة من الفنان يوسف عبدلكي
جوزف سماحةأواخر عام 2002 شهدت العواصم الغربيّة تظاهرات عارمة ضدّ الحرب الأميركيّة ــ البريطانيّة على العراق، فيما أقفلت المدن العربيّة بوجه أي تحرّك شعبي يذكر. يومذاك طلبت جريدة الـ«غارديان» البريطانيّة من جوزف سماحة، أن يكتب فوق صفحاتها عن هذه المفارقة. المقال الذي لم ينشر لأسباب تقنيّة بحتة، حصلت «الأخبار» على ترجمته الإنكليزيّة، وحاولت أن تعيده إلى لغته الأم. وما أشبه اليوم بالبارحة..توقّع بعضهم أن يثور «الشارع العربي» ردّاً على التهديدات البريطانية الأميركيّة بشنّ حرب على العراق. لقد حدث ذلك فعلاً، لكن في أوروبا.
كان لافتاً كيف تظاهر الملايين في لندن وبرلين وباريس ومارسيليا وروما ومدريد ولشبونة، فيما ساد صمت مريب في القاهرة وصنعاء والخرطوم والجزائر وعمان وتونس والدار البيضاء. تتمة
      التفاصيل :  عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمةكأنها البارحة. انتهى العام بلمح البصر. القرّاء ينتظرون إطلالته وسط الضباب الكثيف. نحن نتربّص، لا بد من أن يمرّ بقامته المنحنية قليلاً في الممشى الطويل: لدينا أشياء كثيرة نناقشها، نستوضحها، نسمعها، نحكيها... الأصدقاء تغيّرت حياتهم، والعائلة الصغيرة تسأل أيضاً متى يعود؟ من كان يتصوّر أن نمضي عاماً كاملاً من حياتنا من دون جوزف؟ عاماً مثقلاً بالغياب في قلب الدوّامة التي يشهدها لبنان والمنطقة. «وفي الليلة الظلماء...» يفتقد الفارس المتوحّد الذي عبر عصره كنيزك، صاحب الخطاب السياسي المركّب والنظرة الإنسانيّة المنفتحة. لقد اختار دائماً الرهان الأصعب. عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
أتقن الرقص في العتمة الدامسة، يحرّكه ضوء خفيّ بعيد. إنّه المتربّص الكئيب، طيفه يخيّم على المكان، يعبر حياتنا كل صباح، وآخر الليل قبيل إقفال العدد، كأنّه يدير الدفّة عن بعد.
«الأخبار» وصيّة جوزف. الجريدة التي نحاول يوماً بعد آخر أن نجعلها عند مستوى تطلعاته. كي نستحق التركة. وكي تستحق «الأخبار» جمهورها الآخذ في الاتساع والتنوّع. هذا الملحق أكثر من تحيّة وفاء، إنّه غمزة إلى أبو الزوز، لكي يطمئن إلى أن الأمور على ما يرام... رغم كل شيء!
  الجميع عاتبون وحياته غابة تعبق بالحنيننوال العلي• فصول من سيرة لم تكتمل على الطريق الطويلعام مرّ على رحيله. عام من دون جوزف. الكاتبة والشاعرة الأردنيّة نوال العلي التحقت بأسرة «الأخبار» متأخرة، فلم تلتق به. لكنّها وجدته هنا في كلّ مكان. وكانت تنتابها رغبة حقيقية في التعرّف إلى الرجل الذي أسس لنا جريدة ومضى. طلبنا إليها أن تقتفي آثاره على الطريق الشائكة والمتعرّجة... وها هي تروي لنا، بالمعطيات التي توصّلت إليها، فصولاً من سيرة فريدة... هي حياة جوزف سماحةالجميع هنا يفتقد جوزف. أنا لا أعرفه، أفتقد معرفته، خصوصاً حين يتحدثون عنه، كأنّه مسافر فقط.. بيار كتب في إيميل «لا أفتقد سواه»، وأمية تبدو كمهاجر فقد أوراقه الثبوتية للتو. عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
«بيت بضجة عالية»، هكذا تصف أميّة علاقتها بوالدها. الذكريات القليلة التي جمعتهما جعلت منه محطاً للَّوم. لماذا لم تكن تراه كل يوم؟ مَن هؤلاء الغرباء الذين يشاطرونه صوراً فوتوغرافية ذات طابع عائلي غامض؟ «من وين إلو قلب يعطيه للآخرين؟».
«أبشع شي بجوزف بُعده» هذه هي العقدة التي تزغلل القلب. الأب يعيش حيث يكتب، فيما تعلق الطفلة في عالم الأسئلة التي انتظرت طويلاً الإجابة عنها، وأضاعت جهداً ووقتاً قبل أن يردّ عليها جوزف ببساطة وقبل أن تعيد اكتشاف والدها صبيّةً في لندن أولاً، ثم في بيروت التي عادت إليها معه عام 2000.
بيروت، تلك المدينة التي تركتها في العاشرة مهاجرةً مع والدتها وأخيها زياد، عادت إليها مثلما عاد والدها بالضبط، تفتش عن مكان يخصّها لم تتجاوزه قط.
اجتمع الاثنان في سنوات جوزف الأخيرة في بيروت، بعلاقة مرهقة عنوانها السؤال الكبير: لماذا يغيب «العبقري» كما يحلو لأمية أن تنادي والدها؟ تسأل نفسها، وتجيب: «كان يمضي مع قلمه، هذه هي نظرية حضوره وغيابه». جوزف كان أقلّ حظاً من أميّة. لم يعرف والده قط. يتمه المبكر ـــــ لم يكن قد بلغ الرابعة ـــــ أدخل طفولته في سياقات اجتماعية متناقضة، سبّبها تفصيلٌ مربك اسمه الفقر.
قرميد أحمر واشتراكية مبكرة كان طقساً عادياً أن ينادي مدير المدرسة التلميذ جوزف سماحة أمام أقرانه في الصفّ، ليذكّره بالقسط المتأخر. لكنّ سيسيليا العنيدة، لم تكن لتترك ابنها يتعلم إلا مع الطبقة البورجوازية في «الفرير»، حتى إذا اضطرت لتكبّد مصاريف إضافية.
وليد شقيقه الأكبر ترك المدرسة إلى العمل حمّالاً في المرفأ. وحين خطفه الموت في التسعينيات، مثلما فعل مع والده قبلاً، اعتصم جوزف في بيته الباريسي حينذاك في جوسيو، قال إنّه فقد شيئاً منه... آخر ما بقي من العائلة، بعدما خطف الموت الوالدة قبل سنوات في بيروت.
في الزاروب الصغير أعلى شارع مونو، كان البيت القديم الحلو والمتهالك. يتذكّر صديقه الأقرب، الكاتب السياسي والصحافي حازم صاغية، ذلك البيت بقرميده الأحمر. ابنته أميّة أيضاً تتحدّث عن بيت مشابه حدّثها عنه «العبقري»، وتغيم في ذهنها الأشياء، فتتذكّر تفاصيل عن صندوق فيه متعلّقات والدها وتهمهم: لا بد من أنّ أحداً استولى عليه في الحرب.
جوزف كان يحلم بشرائه، يقول الزميل بيار أبي صعب: «هو الذي لا يملك أن يشتري شيئاً على الإطلاق». لكنّه هُدِّم قبل أشهر من رحيله، لم يتركوا له حتى ترف الحلم بإعادة امتلاكه يوماً ما. أوّل الحرب (الحرب الأهليّة اللبنانية، 1975)، هربت العائلة من بيروت «الشرقيّة» بسبب مواقفها السياسية، ونشاطات جوزف في المجالين الحزبي والإعلامي. وضع أحد مناصري الميليشيات المسيحيّة يده على المنزل. ثم باعه وليد تحت ضغط الحاجة بـ... 75 ألف ليرة لبنانيّة. مَن كان يقول إنّ الحرب ستنتهي ويعود أصحاب الرزق إلى بيتهم؟ انتهى البيت.
اليوم اختفى القرميد الأحمر، اختفت واجهة الحجر التي كان يدل أصحابه عليها، كلما عبرت السيارة من هنا في الطريق إلى عبد الوهاب الإنكليزي، أو الناصرة، أو السوديكو، أو نزولاً إلى ساحة البرج، أو أسفل شارع مونو حيث استأجر جوزف بيتاً عام 2000. نحن أمام حفرة شاهقة بحجم الذاكرة، لم يبق شيء، لا جدران تتصدرها صورة لعبد الناصر، ولا رفاق عروبيون قوميون ويساريون. ولا فقراء قادمون من «الضيعة» طمعاً في كرم سيسيليا. لم يبق أحد تخور قدماه لهزيمة 67. أمّا القدس فسيعثر جوزف على صورتها القديمة بعد أعوام طويلة عند جار الطابق الأرضي الذي حفظ له بعد اللوحات. لفّها بأوراق الجرائد وانتظر عودة الجيران المهجّرين.
حازم يستعيد يوم كان الأصدقاء ينامون في وقت متأخر، فيستيقظون صباحاً وقد وجدوا غرباء جدد يشاطرونهم المنامة في الصالون. مَن هؤلاء؟ باعة متجولون، حمّالو البطاطا، قرويون قادمون إلى بيروت لبيع البيض والجبن. سيسيليا تشفق على هؤلاء فتستدين لتشتري منهم بضاعتهم، وفي الصباح تعدّها فطوراً لهم. وبهذا فقط تشعر بالرضا، كل واحد من هؤلاء الغرباء له حصة في البيت. إنّه نوع من الاشتراكية المبكرة أو «التكامل البدائي» كما يقول حازم اليوم. من حجرات هذا البيت الذي كان يشبه استراحة المسافرين، تعلّم جوزف أنّه ينتمي إلى الفئات الشعبية الكادحة، هو الذي كان يفترض أن يعيش في بيئة بورجوازية، لولا أنّ والده غادرهم باكراً، تاركاً زوجته سيسيليا صبيّة في عمر الورد...
سيسيليا. هل يمكن القول إنّها أول شيوعية عرفها جوزف سماحة؟
الرقص والسياسة
كيف كان جوزف؟ حين تسأل الممثّلة كارمن لبس التي عرفته جيّداً، تفكّر ملياً ثم تقول إنّه صموت وخجول، ويمكن أن يظلّ ساعات ساكتاً، ثم تستدرك: «بس في حالتين بيظهر فيهم على حقيقته: الرقص والسياسة».
في الرقص، يبدو جوزف «طفلاً بجثة كبيرة» يخلع نظارته ويبدأ بهز أكتافه، وتختفي شخصية «الحيط» كما تصفها كارمن. الأمر نفسه يذكره صديقه الروائي حسن داوود: «كان يحبّ الأشياء الحماسية، إذا شاهد دبكة عربية يشارك حتى يستنفد طاقته، لكنه تغير في العامين الأخيرين، صار أكثر عبوساً وتجهّماً».
أما حازم فيقول: «سيسيليا هي جوزف، وهو ابن أمّه... مع فارق المرحلة والجيل والعمر والجنس، جوزف صورة طبق الأصل عن أمّه، في شكله وتصرفاته وخفة دمه وكرمه، وأحياناً فيه شيء من تجهّم جدته وعبوسها».
حين التقى جوزف الناصري بحازم العام 1968، كانت روح الناصرية مرضوضة بهزيمة 67، فانضمّا إلى الحزب السوري القومي. لكنّ جوزف كان ضمن تكوين أصغر في الحزب وهو تنظيم جورج عبدالمسيح. ولعلّ ولع جوزف بالسياسة، هو الذي دفعه إلى دراسة الفلسفة في الجامعة اللبنانية. تلك الفترة التقى بياسين الحافظ الذي بقي أستاذه. ولم يطل انتماؤه للقومية السورية التي بدت لطشة حمى، فسرعان ما تعرّف إلى الماركسية وتلقّفها قبل الآخرين من أصحابه.
كان عام 1972مفصلاً في حياته. أنهى دراسته الجامعية وانتسب إلى «منظمة العمل الشيوعي» وبدأ خطواته الأولى صحافياً، فعمل في مجلة «الحرية» التابعة للمنظمة. لم يكن جوزف عضواً عادياً في المنظمة. رفيقه زهير رحال يروي لنا أنّه تبوأ مراكز قيادية عدة، فدخل عام 1977 إلى اللجنة المركزية، ثم صار سكرتيرها. لكنه كان يعمل آنذاك في جريدة «السفير» التي جاءها صحافياً شاباً عام 1974، وكان أيضاً مسؤول الإعلام المركزي للمنظمة، ويكتب في «بيروت المساء».
في تلك الفترة، سيطرت الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي على الإذاعة، وكان هو مندوب منظمة العمل فيها. ورغم سنوات عمره القليلة (27 عاماً)، كان اسم جوزف سماحة لامعاً في «السفير» التي غادرها عام 1978 ليرأس تحرير جريدة «الوطن» الناطقة باسم «الحركة الوطنية اللبنانية».
باريس مدينة عربية ذات يوم من عام 1979، عَلِقت السيارة التي تقلّ جوزف وحسن في الطريق إلى المطار. حرب أهلية وطرق مشتعلة، كان حسن متردداً «شو يا جوزف منرجع؟» «لا، لا منكفي». كان مصرّاً على السفر إلى باريس. إنّها المرة الأولى، ولا شيء يثبط عزيمته. لكنّ طائرتهما لم تهبط في بيروت بسبب الظروف. ما همّ، سينتظران رحلة أخرى ولو استغرق الأمر ساعات طويلة.
في باريس، يختبر جوزف المكان. «كان يبدو كأنّه يجرب عالم المدينة الملموس، ويتساءل هل ممكن أن أقيم هنا دائماً؟». في أحد المطاعم الفرنسية حيث كان النادل الستيني يجر قدميه بتثاقل ليوصل الطلبات، دار حديث بين الصديقين. «السياسة تتعلّق بهؤلاء الناس» قال جوزف، «الأولوية هي مصلحة الطبقات الكادحة». لقد أصبح فكر جوزف في مكان آخر، وبات الوعي الطبقي بعداً أساسياً يضاف إلى المشاغل الوطنية والقوميّة.
لم يكن جوزف ماركسيّاً عادياً، بل ربما كان واحداً من قلّة أنجزوا مصالحة تاريخيّة في الفكر بين القوميّة والماركسية، على خطى أستاذه ياسين الحافظ... متخفّفاً من الدوغمائيّة والإيديولوجيا، ومحتفظاً بحقّه في نقد أنظمة بورجوازية الدولة والتطوّر الرأسمالي. وظلّ على تأييده للمقاومة الفلسطينية والحق في الكفاح المسلّح، حتى إنّه كان على علاقة وطيدة بقيادات منظّمة التحرير، إضافة طبعاً إلى قيادات التنظيمات الفلسطينية الماركسيّة، منذ أيّام العمل السياسي في الحركة الوطنيّة، ثم في سنوات إقامته الباريسيّة، حيث بات مدير تحرير مجلّة «اليوم السابع» التي أطلقها بلال الحسن أواسط الثمانينيات.
أواخر السبعينيات، استقال جوزف من المكتب السياسي لـ«منظمة العمل الشيوعي» ومضى إلى باريس ليتابع دراسته الأكاديميّة. ثم عاد إلى بيروت عام 1981، بدبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية. ولم تسلم «الحركة الوطنية» من قلمه الناقد. هكذا، كتب مقالات في «السفير»، ينتقد قياداتها وخطها السياسي وممالأتها النظام السوري. في تلك الفترة، تكرّست القطيعة مع «المنظمة» وانتهت علاقته الرسمية بها... لكنّه ظلّ يعمل في «السفير»، حيث واكب الاجتياح الإسرائيلي، وخروج المقاومة الفلسطينيّة من لبنان، وانتخاب بشير الجميل ثم اغتياله، ومجازر صبرا وشاتيلا. ثم كانت انتفاضة 6 شباط 1984. هنا، حزم حقيبته ومضى إلى باريس، حيث كان بلال الحسن، صديقه وزميله السابق في «السفير»، يتهيّأ لإصدار أسبوعيّة «اليوم السابع». وقد تولّى ادارة تحرير المجلّة في باريس حتى إغلاقها عام 1991.
في باريس، ستمثِّل مرحلة «اليوم السابع» تجربةً على حدة في مساره. «كانت باريس شرفةً مطلة على الواقع العربي» يقول بيار أبي صعب الذي توطدت علاقته بجوزف في تلك الفترة. هنا أيضاً توطدت العلاقة بين جوزف وسمير قصير. حملت التجربة صوتَ جوزف ورؤيته ومقالاته التحليلية للواقع العربي، في لحظة مفصليّة سبقت اتفاقات أوسلو. أطلّ على العالم، وعلى الوطن العربي، تعمّقت علاقته بالفكر اليساري الإصلاحي، ومارس نقده الجذري للأنظمة العربيّة ولوصاية الغرب... وغير ذلك من القضايا السياسية والفكريّة التي تكوِّن وعيه ونهجه السياسي. قضيّة فلسطين كانت دائماً له قضيّة العرب الأساسيّة والمركزيّة، منها تتفرّع الصراعات الوطنيّة والسياسية. وقد أخذت «اليوم السابع» هذا الطابع النقدي والطليعي واليساري الذي طالما سعى إليه.
في باريس، أعاد إنتاج نفسه. كان يقرأ بنهم، ويستبق الجميع إلى الاهتمام بمسائل محوريّة ـــــ من «العولمة» إلى «الجندر» وصولاً إلى «الاحتباس الحراري» ـــــ قبل أن تصبح شاغلاً عاماً على نطاق عربي واسع. ويروي بيار كيف كان «يفلت» كل سبت بين أجنحة مكتبة الـ
FNAC الباريسيّة، بحثاً عن الإصدارات السياسية الجديدة... كتب سرعان ما كان يلتهمها ويعود في الأسبوع التالي طلباً لسواها.
مع السنوات، بات جوزف صحافياً أكثر منه مناضلاً حزبياً، مع أنّ العمل ضمن إطار جماعة منظمة، كان دائماً ضمن تطلعاته واهتماماته. لقد حقق نفسه في النهاية من خلال كتاباته ونشاطاته الإعلاميّة، اتخذ منها وسيلة للنقد والمواجهة والدفاع عن القضايا التي يؤمن بها... أما قلمه الحرّ، فضاقت به الأطر الحزبيّة. يقول زهير رحّال: «آمن جوزف بأنّ الحزب الجيد يمنح أعضاءه مساحة لانتقاده. وهو وإن ترك العمل الحزبي كان يعتقد أنّه العمل الأهم حقاً. لكن رفضه للكتابة الحزبية المحضة، حال دون انتسابه إلى أي حزب بعد ذلك».
في «اليوم السابع»، كان جوزف يكتب ضد النظام السوري، لذلك كانت لديه مخاوف كثيرة من زيارة لبنان... حتى توفّيت أمه في بيروت ولم يتمكن من حضور دفنها! عقدة الذنب تلك رافقته طويلاً، فظل كمن يغالب جرحاً ولسان حاله ينشد: «أنا عندي حنين ما بعرف لمين» يقول صاغية. ويضيف: «مفارقة جوزف الكبرى أنه كان يستمتع كثيراً بالحياة في هدوئها وعاديتها وغنى احتمالاتها. لكنّه، مع هذا، لا يزدهر إلا في الخضّات الكبرى، ولا تنطلق مخيلته إلا في السجال، وعلى حدود الحدث العنيف. لهذا كنت أقول له مازحاً: هذا تكوين توتاليتاري!». حسن يقول: «كان خايف يجي ع بيروت في أول التسعينيات. شعرت لاحقاً بأنّه بات أقل نزوعاً إلى المواجهة. لا شك في أن تجربة «اليوم السابع» جاءت بتبدّلات كثيرة وكانت سياسياً مختلفة عن أي مرحلة من حياته».
عطر ونوستالجيا كتبتُ في دفتر ملاحظاتي: «حياة جوزف غابة ماطرة طيلة العام»، تفاصيلها المتناقضة تعبق بعطر واحد، رائحة حنين، فقدان، طيش داخلي، وسأم... فكّرتُ وأنا أواعد أصدقاءه كل واحد في مقهى. تخيّلته ما زال هنا، بطوله الفارع وأعوامه التي تجاوزت الخمسين. كل شيء كأنّه حدث للتو. العواطف عواطف شاب، والشيطنة كأنّها لم تمس، الصداقات هي هي، المشاكل العائلية لم تحل، السياسة همّه اليومي الذي لم يتغير كثيراً رغم مزاعم التغيير.
وفكّرتُ كذلك في عائلته ـــــ الأسطورة أمّه سيسيليا وعالمها، وعائلته الأخرى في باريس، وعائلة الأب التي تخلّت عنه في الطفولة. كلمات كارمن تتردد في أذني: «لم أحضر الدفن. معظم الحاضرين يوم مماته هم الذين أوجعوه في حياته».
كان جوزف في مماته نقيض ما كان في حياته، تقول صديقته رانيا المعلّم: «بعد وفاته، جعلوا منه رجلاً كاثوليكياً متأهلاً، رجع إلى الدائرة الحميمة وإلى كل ما كان يكرهه».
«سان لوران» هو العطر الذي لم يغيّره قط، ولم يغيّر معجون أسنانه أيضاً. يوصي عليه من باريس. عائلته الصغيرة تعيش هناك، زياد والزوجة سهيلة التي انفصل عنها. النساء في حياة جوزف؟ تلك قصة أخرى وعد بيار بكتابتها! يتذكّره حسن كشخص فاتن ومدرك لفتنته، «خياراته السياسية ليست أقوى من مزاجه الشخصي. كان ما أن يستقر في بيروت، حتى يتركها إلى باريس. وما أن يطمئن إلى باريس حتى يغادرها إلى لندن، فبيروت وهكذا».
في بيت حسن، كان يظهر حنينه العائلي. على البلكون في الصيف مع العائلة، أو في غرفته الخاصة في منزل حسن في قرية النميرية. رانيا تقول كلاماً مشابهاً: «جوزف يعجب بأزواج «ختيروا» مع بعض».
مجرد اهتمام صغير كان يثير دهشته، كأن تعدّ له صديقته «فطاير بقريش» أو واحدة من تلك الأكلات التقليدية التي يحبّها... رائحة عائلة مفقودة. ورغم فارق السن بينهما، لم تتردّد في أن تهمس له مرةً «عبالي ختير أنا وياك». لكنّه لم يقرر الطلاق أبداً، «كان أصعب شيء يُطلب منه هو الارتباط أو الطلاق».
«رق الحبيب وواعدني...» ليلة السبت من شباط (فبراير) من العام الماضي، تلقّى جوزف الـ «ميساج» الأخير من صديقته، بينما كان في لندن إلى جانب حازم يواسيه بفقدان زوجته مي غصوب. احترقت كل كهربائيات شقّته في مونو على نحو غامض، فكتبت له: «حاسة إني مش أنا، ما بعرف حالي ولا بعرف البيت».
هل كانت تلك إشارات مبكرة من الموت؟ صوته التعب على الهاتف، والوحشة التي ملأت البيت لم يكن لها ما يبرّرها.
حين التقيتها في الـ«البلو نوت»، كانت ترتدي الأسود، كل من التقيتهم يعيشون حدادهم الخاص عليه حتى الآن. و«مِن لما مات، الحياة مش عم تزبط» مع حسن، يحس بأنّ ثمة خطأ في عقله. حازم دخل إلى الـ«بلو نوت» مصادفةً تلك الليلة، فبكى وشتم «.. كأنه مبارح مات».
تجد المرأة الشابة صعوبة في الحديث إلى غريب عن جوزف، لذلك تبدأ الحكي عن الجريدة. تتذكّر آخر اتصال حين سألَته إن كان يتابع «الأخبار» على الـ«نت». «منيحة» يرد، فتسأله: «يعني فيهن يكملوا بلاك؟». كان عملها في التعليم الرسمي ميزةً إضافية في نظر جوزف، فانتماؤه الفطري إلى الطبقة الكادحة، جعله يشعر بالاعتزاز.
عندما التقيا للمرة الأولى في مطعم «الدار»، جمعتهما فايزة أحمد التي كانت تغني بقربه «يمّة القمر عالباب» و«أنا قلبي إليك ميال» فردّد معها. وحين بكى لأول وآخر مرة أمامها، كانت أم كلثوم تصدح «رق الحبيب». لاحقاً، اكتشفت رانيا أنّها تحب نجماً. وفهمت لماذا لا يظهر جوزف بالجينز ولماذا يَطلب منها أن تكون متوازنةً في المواقف الاجتماعية والعاطفية. لكنّه تغير تماماً حين سافر الاثنان في رحلة إلى باريس، تحول شخصاً آخر... عاد ذلك الطفل للظهور مرة أخرى.
الرجل نفسه شعرت كارمن حين التقته للمرة الأولى بأنّه ثقيل الظل. واكتشفت مع الوقت أنّ ثمة «جوزف» آخر، مختلفاً عن الصحافي ورجل الفكر. وكأن الشخص الحقيقي حبيس في الداخل، لكنّ روحه تعود إليه أحياناً فتُظهر ذلك المزيج الغامض من الطفولة والبراءة والشباب والاندفاع.
من عبد الناصر إلى حزب الله في الثمانينيات، بدأ التحوّل في المسار. لم يعد جوزف مناضلاً حزبياً، وفضّل أن يحتفظ بصفة واحدة: الصحافي والكاتب السياسي. منذ رحيل عبد الناصر، كان يبحث عن بديل، حتى وإن كان البديل أقل من مصر. يقول حازم: «وجد البديل في منظمة التحرير، ولاحقاً في حزب الله».
حتى قبل ذلك، حين كان الصديقان يجتمعان حول الخيار الماركسي، كان جوزف أكثر تيقظاً للصراع العربي الإسرائيلي، وأكثر اهتماماً بكل ما هو استراتيجي، بينما كانت حماسة حازم ــــ كما يذكّر ــــ نحو المسائل الاجتماعية وقضايا المرأة. وفي لندن التسعينيات، حيث استقر حازم مع مي، وعمل جوزف بعض الوقت صحافياً في جريدة «الحياة»، عاد الصديقان للسهرات الطويلة حتى الساعات الأولى من الفجر. لكنّ النقاشات كانت تشير إلى أنّهما باتا في طريقين مختلفين، رغم اجتماعهما على مبادئ أساسيّة ونظرة متقاربة إلى المجتمع. وبعد الحرب على العراق، باتت الفجوة أوضح. حازم يحكي عن استبداد صدّام وحق الأمم في تقرير مصيرها، وجوزف يبحث عن مشروع مناهض للإمبريالية الأميركية.
لكن ما همّ أن يختلف أقرب الأصدقاء؟ جوزف كان صاحب وعي جدلي، مفطوراً على السجال، يجد فيه ذروة تألّقه. كان مسكوناً بهاجس تجاوز نفسه ووضعها أمام الامتحانات الصعبة... حتى في البلياردو. يحكي بيار أنّه ضبطه مراراً يلعب ضدّ نفسه. كان هناك فريقان: جوزف 1 وجوزف 2 يتنافسان بكلّ روح رياضيّة. وكان يسجّل لكل منهما إصاباته والنقاط التي أحرزها على اللوح الخاص المعلّق إلى الجدار.
مريض ببيروت مطلع التسعينيات، كل شيء يبدو على ما يرام في أوروبا، لولا أنّ المعترك الحقيقي كان بعيداً. مرّ وقت طويل على فراق بيروت، عشرة أعوام، وجوزف وحده في باريس. لم يظهر عليه شيء، لا انزعاج لا تذمّر. فقط بعض الإشارات العابرة للأصحاب عن الغربة. لكنّ بيروت مرض عضال، لم يكن ممكناً إخفاؤه طويلاً. قرر فجأة أن يترك كل شيء، ويرجع. هكذا، عاد عام 1993 مديراً للتحرير في «السفير». كانت الجريدة البيروتية تبحث عن نفَس جديد... فأدى دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، مستدرجاً إلى المهنة بعض خيرة أبناء الجيل الجديد. يومها، كتب سمير قصير في الـ«أوريان إكسبرس»: «عاد جوزف سماحة إلى بيروت، لقد ارتفع مستوى التحدّي».
لكنّ الإقامة لم تطل. لعلها كانت بروفة أولى قبل العودة النهائيّة. ماذا حدث؟ بيروت متعبة، جوزف تعب أيضاً. ملول، ومزاجي، و«هارب» كما تصفه كارمن. «لم يكن يواجه، كان يهرب من دون أن يحل شيئاً، يترك كل شيء خلفه يتراكم في مكان ما ويهرب إلى آخر». ترك بيروت إلى لندن ليعمل رئيساً للدائرة السياسية في جريدة «الحياة». لكن لبرهة من الوقت فقط!
كان لا بد من أن يعود في النهاية. «جوزف مريض ببيروت» قال بيار. دبّر كل شيء، أرسل أميّة، وحزم أمتعته، وترك لندن عام 2000 ليعمل في بيروت مديراً لمكتب «الحياة»... ثم تركها ليرأس تحرير «السفير». بين كرّ وفرّ، بقي جوزف على علاقة طيبة بالصحف التي عمل فيها وظلّ مكانه محفوظاً أينما ذهب.
وفي 2006، ترك جوزف «السفير» من جديد، ليدخل مع صديقه ورفيق مرحلته الأخصب إبراهيم الأمين، وبعض أصدقائهما في مغامرة جديدة، أكثر طموحاً، وأكثر راديكاليّة من سابقاتها: إطلاق جريدة يوميّة عربيّة من بيروت، تأخذ أفضل ما توصّلت إليه الصحافة اللبنانيّة، وتنطلق منه في اتجاه تأسيس مشروع عربي طليعي، شبابي وعصري ونقدي، في خندق الممانعة. لخّص جوزف خطّ الجريدة في افتتاحيّته الأولى «توقيت صائب» (14/8/2006) كالآتي: «ندرك أنها مغامرة، غير أنها مغامرة محسوبة. (ونعلن) أننا ننتمي، سياسياً، إلى معسكر رافضي الهيمنة، وهو معسكر يمتدّ من قلب الولايات المتحدة الأميركية إلى أقاصي الشرق وأفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا، (ونعلن) أيضاً أننا ننتمي، مهنياً، إلى معسكر الحرص على التعددية والديموقراطية والموضوعية والحداثة والثقافة الإبداعية».
ظهرت «الأخبار» في وقت حرج خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، صيف 2006، وتعرضت لحملة شرسة قبل صدورها في وضع لبناني متوتّر ومعقّد.
ليس هيناً على المرء أن يبدأ من الصفر. تذكر رانيا كيف كان يرى الأخطاء اليومية ويردد أنّ الجريدة لم تقترب بعد من الصورة التي يحلم بها، لكنّه كان يدافع عنها وعن وجودها وحريتها. كان هاجس جوزف استقطاب شباب من خارج دائرة المهنيّة الضيّقة والانفتاح على المجتمع المدني، واستيعاب مكتسبات العصر، وتبني أسئلته ومعاركه.
إنّه هروبه الأخير! منذ بدء رحلتي في البحث عن جوزف سماحة، وجدتني صحافية منحازة. ليس للرجل خصوم حقيقيون، ولا عداوات متمكنة. وجدت صداقات ضمت بين طياتها خلافات السياسة التي لم تفسد الود.
لكنّ الجميع عاتبون عليه في تفصيل هنا أو هناك. عتبٌ على غيابه. حسن عاتب على نفسه وعلى السنتين الأخيرتين اللتين كان للغياب الحصة الأكبر فيهما. كارمن تجد أنّ وفاته تشبه حياته: «اختفى، هرب. إنّه هروبه الأخير». منذ طفولته الشقية هرب إلى الكتاب، ذلك الكسول الذي يؤجل كل شيء، انتظر 8 أعوام كي يبدّل بطاريّة ساعته الفارغة. يكره الروتين ويعيش في روتين، لا يعترف بالمرض. كان يزور طبيب أطفال صديق له، أو يتصل به على الهاتف.
رانيا تتساءل عن الشال الأصفر، تركته على تابوته لكن لا أحد أعاده إليها. «أحتفظ بصورة والدته وبيجامته التي لم أغسلها قط، وورقة بخطّ يده، وكتاب كان يقرأه، وتمثال لامرأة روسية». التمثال الذي تستعيد كارمن تعلّقه به أيضاً، تقول: «كان قديماً وملامحه ليست واضحة كثيراً، لكنه كان مفتوناً به ويحبّ هذه الحالة».
أمية ابنته التي تسكن اليوم وحدها في شقّة مونو الكبيرة، شارع فيكتور هوغو هي أيضاً تقول: «علاقتي بجوزف طلوع ونزول». وتشير بيدها «العيلة ما فيكي تغيّريها، بتحبيها وبس» وتصمت.
هذا الرجل الغريب، الآسر، كنت أقرأه كاتباً من عمّان. وفي «الأخبار»، عرفته من الصورة الفوتوغرافية التي تستقبلك في رواق الجريدة. الآن ومن مكاني هنا، يمكنني أن أشعر بأنّ ماضي جوزف سماحة صار جزءاً من حياتي في الأيام القليلة الماضية. شاهدته يعبر عالمي أيضاً. وشاهدت حيوات أصدقائه وقد تغيّرت مع غيابه إلى الأبد.
  الفتى المشاغب ولغة الخواجاتيحكي أصدقاؤه المقربون مفارقات مضحكة عن جوزف سماحة، منها تفاديه المشاركة في إطلالات إعلاميّة باللغة الفرنسيّة. كأنّه لم يتخلّص أبداً من تلك العلاقة الصداميّة مع لغة الخواجات، علماً بأنّه كان يُتقنها جيّداً... المسألة تعود إلى أيام الدراسة، حيث كانت الفرنسيّة من علامات التمايز الطبقي والرجعيّة السياسية اللذين تبلور وعيه ضدّهما، كما تكوّنت خياراته الراديكاليّة ضدّ البورجوازيّة والفرنكوفونيّة وما إلى ذلك!عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
ويروي حازم صاغيّة في كتابه «هذه ليست سيرة» (دار الساقي) أنّ إشارة الـ Signal ـــــ رمز العار الذي يلاحق في ملعب مدرسة الفرير وغيرها كل مَن لا يتكلّم بالفرنسيّة أثناء فترات الاستراحة ـــــ كانت طوال العام من نصيب ذلك الفتى المشاغب. شخصيّات ماركيزية في شارع مونوفي شارع مونو، كانت بيت العائلة ذات القرميد الأحمر. وكان جوزف الفتى وحازم وأصدقاء كثر، وجيران وغرباء يقفون على الشرفة المتداعية، ويأتي صوت والدته سيسيليا الغاضب وسُبابها من الداخل. تنتهر الشبان ليخفّفوا من وطئهم وثقلهم على تلك الشرفة رأفةً بها. وعلى هذه الشرفة نفسها، ستقف سيسيليا عشيّة الحرب الأهلية لتفرغ دلاء المياه على محازبي «الكتائب» المتجمّعين في الأسفل. عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
الجدّات كن يتشاطرن الحياة هنا أيضاً. جدّة جوزف لأمّه وجدّته لأبيه. الأولى لم تكن تخلع السواد أبداً، تعرج قليلاً وتكثر من الصمت. «أنجول» جدّته لأبيه منعزلة لا تتبادل الحديث مع عائلة سماحة الصغيرة. تصرّ على قراءة الصحف أفقيّاً فتتداخل التفاصيل والأحداث السياسية في رأسها على نحو مرعب، وتزيد عليها من «العدة التوراتية». وكذلك، كانت تعيش الخالة التي أصيبت بحادثة في طفولتها سبّبت إعاقتها. ويقال إنّها فُقدت بعد سنوات في نيويورك في مصعد بأحد المراكز التجارية الضخمة، حين كانت في زيارة مع والدتها لأقرباء لهم هناك.
هذه كانت الوجوه اليوميّة في حياة جوزف، يشعر المرء لدى استعراضها بأنّه أمام شخصيّات ماركيزية، أو أجواء تقترب في عالمها من الواقعية السحرية في أدب أميركا اللاتينية.
 خيارات سلمىخالد صاغيّةلقد حدث أن رأيت جوزف سماحة سعيداً. ارتسمت على وجهه ابتسامة الأطفال. كان ذلك صباح 14 آب 2006. جاء باكراً إلى مبنى الكونكورد، حاملاً بيده العدد الأوّل من جريدة «الأخبار». تنظّم مجموعة من الطلاب ندوة عن كتاب «قضاء لا قدر: في أخلاق الجمهورية الثانية». يدخل رجل طويل القامة ويجلس وحيداً في آخر الصالة، في مبنى «وست هول» في الجامعة الأميركية في بيروت. لم يطل الأمر، حتّى شعر الرجل بالضيق. يحمل نفسه، وينسحب بهدوء. بعد انتهاء الندوة، عرفنا أنّ جوزف كان هنا. عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
الطلاب الذين نظّموا الندوة لم يكونوا قد رأوا جوزف سماحة من قبل. صعدوا إلى جريدة «السفير»، وطلبوا لقاءه. وما لبثوا أن وجدوا أنفسهم مدعوّين لشرب القهوة في البيت.
تعدّدت اللقاءات، ووقع الطلاب في المصيدة. استيقظ عدد منهم، فوجد نفسه صحافيّاً.
كان على سلمى أن تختار (في مشهد من فيلم لـ لارس فون تراير) بين حبل المشنقة وأن يفقد ابنها بصره. اختارت حبل المشنقة. الفقر المدقع والقوانين الاجتماعيّة الظالمة كانت وراء وضع المهاجرة التشيكيّة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة أمام خيار صعب كهذا. عرفت سلمى أنّها ستخاف الموت، وأنّ ابنها الذي سيصبح ضريراً بحاجة إليها، لكنّها عرفت أيضاً أنّها لن تستطيع منحه القدرة على إبصار النور وأمّه معاً. اختارت له النور.
لم يكتب جوزف سماحة عن سلمى. ولا أعرف إن كان قد شاهد الفيلم أصلاً، أو سمع أغنياته التي تؤدّيها «بيورغ». لكنّه كتب عن صوفي، بطلة فيلم شهير آخر. صوفي التي يطلب منها الجنديّ الواقف عند مدخل معسكر الإبادة أن تختار بين الإبقاء على حياة ابنها أو ابنتها.
قد يكون من الصعب الدخول إلى عالم جوزف سماحة من دون قبول اعترافه بأنّ «العرب اليوم أمام نسخة جديدة من خيارات صوفي». فلم يشأ سماحة الدخول في لعبة ممارسة الترف التي تتيح صياغة المواقف السياسية كمن يختار باقة من الورود: واحدة حمراء، وأخرى بيضاء، وثالثة في البستان. فمع الأسف، لا يفسح التاريخ دائماً في المجال لخيارات مُترَفة من هذا النوع.
لكنّ سماحة، ومهما بدا شديد التمسّك بمواقفه، ومهما استخدم ذكاءه الحاد في الدفاع عنها، كان يدرك أنّ الخيارات الصعبة تحمل معها دائماً تضحيات قاسية. لم يقلّل سماحة يوماً من شأن هذه التضحيات، ولم يعدّها مجرّد أضرار جانبيّة، واحترم دائماً الحُجج «النبيلة» التي تُرفَع باسمها. إلا أنّه رفض أن تعمد هذه الحُجج إلى مصادرة النقاش أو اختزاله.
جوزف سماحة وضعته قساوة الحياة أكثر من مرّة أمام خيارات سلمى. ووضعته قساوة السياسة أمام خيارات صوفي. الحزن الكامن في عينيه، وبين سطوره، لا يشبه إلا صعود «بيورغ» إلى المقصلة على وقع أغنية: «
I’ve seen it all» (سبق أن رأيت كلّ شيء). رحل جوزف في إجازة طويلة. أنهكَتْه مشاكلنا الصغيرة. لكنّ صوره لا تزال هنا، تحرس المشروع الذي وهبه ذاته. جوزف سيعود يوماً إلى مبنى الكونكورد، وسترتسم على وجهه الابتسامة نفسها. سيحدث ذلك في غد قريب، عندما تصبح «الأخبار» عروس الصحافة العربيّة، عروساً جميلة وشقيّة. فحين تتحقّق الأحلام، توقظ أصحابها من النوم. عن مغامرة اسمها... جريدة «الأخبار»!إبراهيم الأمينالعودة إلى اللحظات الأولى ستظهر الموقف في حالته الطفولية. وسوف يبدو جوزف سماحة حالماً مثل أي صحافي بمشروعه الخاص، وبتحقيق حلمه المهني. وسيبدو جوزف أصغر من قامته التي حملته رغم خفره وصمته إلى أبعد مما توقع هو أو توقّع له محبّوه وخصومه والمنافسون.
منذ عودته الأولى إلى لبنان بداية التسعينيات، حاول جوزف سماحة تقديم نموذج مختلف عن المهنة وأحوالها. وكان يرى في «السفير» المكان الأقرب الى عقله والى قلبه، واعتقد طوال الوقت أنه ليس من داع لجهد خارج هذا الملعب، وأن كل صعوبة تبرز يجب معالجتها في هذا الإطار: طلال سلمان وعائلته، الأصدقاء والزملاء. وكانت عبارته المفتاح: إن طلال صحافي قبل كل شيء، علينا الرهان على هذا الجانب القوي فيه!.
لكن جوزف واجه في رحلة العودة الاولى الى «السفير» ما كان في حسبانه، وفشل في تجاوز ما كان يسمّيه صراحة العقبات الجدية: أشخاصاً وطرق تفكير، ولم يمض وقت طويل، حتى عاد الى إحباطه العام. وهو إحباط كان معطوفاً على إحباط آخر ناجم عن «وهم» عاشه جوزف ورفاق من أهل اليسار في إنتاج طبعة جديدة من الحركة اليسارية اللبنانية.
عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
عاد جوزف في لندن الى «الحياة» المكان «الأسهل للعمل» ولكنه المكان القاسي ببنيته التنظيمية والسياسية والمهنية. وإذ أتعبته بريطانيا فهو لم يكن يرغب في العودة الى باريس، وكان يفترض أنه آن الأوان للاستقرار نهائياً في بيروت. حينها واجه التباساً مهنياً لا سابق له. كان يعرف أن السعودية التي تمثل بالنسبة إليه سياسياً وثقافياً كل ما لا يعجبه، هي التي تتحكم في مسار «الحياة»، ولما ظهر مشروع رفيق الحريري بإنتاج «المستقبل»، كان هناك من يعتقد أن سماحة «ليس غريباً عنا، ويمكن جذبه إذا أغريناه بإفساح المجال أمام مهنية أفضل». وحصلت مفاوضات، انتصر خالد بن سلطان على رفيق الحريري وبقي سماحة في «الحياة» ولكن هذه المرة في بيروت، قبل أن يرسم جوزف صورته المهنية الجديدة وعنوانها: المساكنة الى أن يقضي الله أمراً...
هذه العبارة كانت مفتاح كل الحوارات التي جرت معه لاحقاً على مدى عام وأكثر. وتخللتها قطيعة لشهور، سببها هذه المرة زميله حسن داوود، الذي ألح عليه حتى القهر بأن يذهب الى الحريري ويطلب إليه أن يعيده الى «المستقبل» لأنه تورّط في التزامات مادية، ويواجه حالة صحية صعبة لا تنفع معها العقود الوظيفية العادية. وكان جوزف يعرف أن دالته على الحريري الأب كبيرة وكبيرة جداً. ويومها لم يحتج الموضوع إلى أكثر من كلمة واحدة وعاد داوود الى «المستقبل» لكن في طبعتها التي تحمل كل الآثام المهنية والسياسية. علماً بأن الحريري سألني ذات يوم عن رأيي في «المستقبل» فقلت له إنه سؤال سياسي وليس مهنياً، فضحك وقال: «الحقيقة أنني أردت من المشروع أن أعرف حجم كلفة إنتاج جريدة، لأعرف كم يسرق مني الذين يتناوبون على ابتزازي في الصحف الأخرى».
«السفير» من جديديقول حازم صاغية إن طلال سلمان يملك سحراً غريباً. تختلف معه في السياسة، وتختلف معه في المهنة، وتشكو من قدرته على التلاعب بك، ولكنه ينجح في كلّ مرة في إقناعك وأنت خارج من مكتبه بأنك أمام فرصة العودة للعمل في المكان الأحب إليك.. ويمضي وقت قبل أن تشفى من هذا العارض وتعود الى حياتك الطبيعية. كانت هذه الحكاية تجعل جوزف يقلب على ظهره ضاحكاً.
بعد عودته الى بيروت، كان النقاش في «السفير» في ذروته. هنادي ابنة طلال الطموحة تؤدّي دوراً محورياً في تطوير الجريدة. وكانت على خلاف معلن مع الخط الذي مثّله عمّها فيصل، الذي كان أقرب الى سلوك مهني واقعي لا يحتمل الصدام ولا التغيير الذي يحتاج الى قدرات غير متوافرة في المؤسسة ولا في البلد. وكان أبو أحمد يهتم للاثنين معاً، ويعرف أن لكل منهما دوره، لكنه كان يشعر بأن الصدام آت. ولم يكن طلال يجد سوى جوزف لبناء الجسر الذي يفترض بهنادي أن تعبره بسلام نحو «السفير الثانية».
كانت هنادي قد تكفلت بالحصول على تعهد حاسم من والدها بالتنازل عن أدوار كثيرة كان يقوم بها، لمصلحة رئيس التحرير الجديد: وضع خطة التحرير، وضع موازنته، تحديد من يجب أن يبقى من الفريق ومن يجب أن يغادر ومن يجب أن يُستقدم. وفتح النقاش لتغيير جوهري حتى في شكل الجريدة.
وصباح ذات يوم، التقينا أنا وجوزف وهنادي وشقيقها أحمد الذي تولى منصب مساعد المدير العام ياسر نعمة، في منزل سماحة في مونو. كانت اللقاءات التمهيدية مع الأخير قد وفرت موافقة مبدئية، لكنه كان يريد الاستفادة من تجارب سابقة. وكان يريد ترتيب اتفاق مع هنادي وأحمد قبل تثبيته مع والدهما. وهو ما حصل. وبعدها عقدت اجتماعات مكثفة ركزت على المشروع التحريري الجديد. ورتبت الأمور الانتقالية، ثم تولى نواف سلام التدقيق في اتفاقية نادرة موقعة بين جوزف و«السفير» تضمّنت كل هواجسه قبل أن يتخذ القرار ويعود الى «السفير» حاملاً هذه المرة مشروعه الذي كان مؤمناً بتحقيق القسم الأكبر منه. وكان الأمر واضحاً بالنسبة إليه: مهمتي تأمين انتقال هنادي الى مرحلة رئاسة التحرير. ورغبتي هي إقناع فيصل بأن هناك إمكاناً لترتيب علاقة لا تفسد في الود قضية.
ابتعد فيصل، وباشر جوزف وهنادي مشروع التطوير. ولم يمض وقت حتى أقنع جوزف الفنان إميل منعم بالعمل على مشروع ماكيت جديدة، تفسح لتطوير مهني كبير. وجرت مناقشات استمرت شهوراً، انتهى بعدها سماحة بخلاصة قاسية: لا مجال لإحداث هذه النقلة في «السفير». ومن يومها بدأ يبتعد تدريجاً، وعاد الى روتينه القاتل: منبّه يصمّ الآذان قرابة التاسعة والربع صباحاً. ركوة كبيرة من القهوة. قراءة الصحف. ثم النزول من البيت الى قرب فرن صغير في نزلة مونو. يصل بسيارة الأجرة الى «السفير» حيث مراجعة بعض البريد السريع قبل الانتقال الى غرفة الاجتماعات وبعدها عودة الى تناول الغداء، ثم الراحة والشروع في كتابة المقال اليومي. استراحة قصيرة عند حلمي موسى في غرفته ـــــ السجن ثم العودة الى الاجتماع المسائي. وبعدها بنصف ساعة يكون قد ترك مقاله وغادر الى منزله أو الى منزل أحد أصدقائه. فيما يبدأ وجع الرأس معه يومي الجمعة والأحد حين تقرر أن يسهر هو حتى انتهاء العمل.
اغتيال الحريريفجأة قتل رفيق الحريري. كان سماحة يتوقع الأسوأ. وخلال أسابيع قليلة، صار النقاش صعباً وخرج الى السطح بقوة هاجسه حيال المشروع الاميركي في المنطقة، وكتب جملته الشهيرة «يريدون نقل لبنان من ضفة الى ضفة». لم يكن جوزف يبرّئ سوريا من دم الحريري، لكنه كان يرى فيها هدفاً أولياً للمشروع الأميركي، وهدفاً رئيسياً لأنها شريان المقاومة في لبنان الذي تحوّل الى شريان المقاومة في فلسطين. نهاية صيف 2005، كان جوزف قد اتخذ قراره: العمل في مشروع آخر أو الهجرة النهائية.
كانت المناقشات كثيرة، وهو كان يركز على إنتاج مجلة أسبوعية من نوع خاص. ومنتصف أيلول من العام نفسه، سألته إذا كان مستعداً لخوض تجربة جريدة يومية، لا مجلة. قال لي: تعرف أن العناوين الرئيسية موجودة. ما أعددناه من أفكار لتطوير «السفير» كاف للانطلاقة، كان جوزف مطمئناً الى أن هناك العشرات من الصحافيين الجيّدين، والذين يريدون مغادرة مواقعهم الوظيفية ساعة يتوافر البديل المقنع. وكان سؤاله الدائم: هل هناك إمكان لتوفير موازنة تكفي لخمس سنوات على الأقل؟
كان نادر صباغ يعدّ دائماً دراسة عن أكلاف التحرير. وكانت تجرى عمليات إعادة توزيع للمناصب والهيئات والموازنات التفصيلية. تنتهي الجلسة بقَدْر كبير من الضحك، لكن لم يكن أحد يمانع معاودة البحث، الى أن عقد اجتماع ( لا بد من الحديث عنه يوماً ما) قال فيه المموّلان الرئيسيان حسن خليل و(ن) إنهما مستعدان.
في تلك الليلة، كتب سماحة مقالاً تافهاً كما سمّاه. وانتقلنا الى بحث هو الأكثر جدية. وكان عليّ أنا أن أتقدم أولاً بالاستقالة من «السفير». وهو رفض فعل الأمر نفسه: «مجنون أنت، عندما أغادر «السفير» سوف أترك ورقة عند المدخل أو مع صباح أيوب (مساعدته التي انتقلت معه الى «الأخبار»). ولكن ليس الآن». لكنه أصر على نفي علاقته بالمشروع حتى لحظة سفره.
السياسة والمهنةلم يكن جوزف خجلاً بخياراته المهنية أو السياسية على حد سواء. كان واضحاً وحازماً ولو بلطف: نحن مع تيار المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، ونحن ضد المشروع الأميركي العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي. ونحن في لبنان الى جانب التيار الذي يريد منع تجدد الهيمنة الأميركية على لبنان والمنطقة. ولم يكن جوزف معجباً بالتجربة السياسية السورية لا داخل سوريا ولا في لبنان، وعنها قال: «علينا أن نفتح ملف العلاقات بين سوريا ولبنان، وعلينا أن نصل الى توزيع عادل للمسؤولية عن خراب هذه العلاقات بين اللبنانيين والسوريين. وهذا أمر ممكن في جريدتنا الجديدة. وعلينا أن نجد فيها متنفساً لبقية الحركة اليسارية اللبنانية والعربية».
وخلال شهرين لاحقين، كان همّ سماحة إقناع إميل منعم بالعودة من السعودية: «لا يمكن أن ننطلق من دونه، إنه الفنان الوحيد الذي يرسم الجريدة بإدراك مهني وبعد ثقافي وسياسي. ورغم أنه أقل انحيازاً سياسياً الى المعكسر الذي ننتمي إليه، إلا أن الجريدة لن تقوم من دونه». وطوال الفترة التي عمل فيها جوزف وإميل على إعداد الماكيت، كانت الفكرة تتبلور على شكل لامركزية استثنائية: زياد الرحباني عنوان النقد المستمر، وأنسي الحاج كان المفاجأة الإيجابية لجوزف، يفتح باب التنوّع المطلوب. وبيار أبي صعب ومجموعته يكشفون عن التغيير العاصف بالجيل الجديد ثقافياً. وكان رهانه استثنائياً على خالد صاغية: وودي ألن الصحافة!.
لم يمض وقت طويل حتى اجتمع الفريق كله. كانت هالة بجاني قد أعدّت الدراسات الأولى الخاصة بتأسيس الشركة وتوقع النفقات والعائدات والبرامج الخاصة بالإدارة، وكانت عملية «سرقة» الكادرات من الصحف الأخرى تجري بخطى حثيثة. وحده رجل كبير أقنع جوزف بالتوقف عن سحب العناصر التي يحتاج إليها من «السفير».
الحربفجأة وقعت الحرب الاسرائيلية الجديدة على لبنان. كان سماحة يتوقعها، مرت ثلاثة أيام قبل أن يعود الى اطمئنانه واثقاً من هزيمة إسرائيل، وكان يشعر بأن هذه الحرب سوف تفرض التعجيل بصدور «الأخبار». وبدأ يكتب كلماته عن «التوقيت الصائب» للصدور. لكن الأمر فرض انتكاسة على المشروع المهني الواسع. أقسام كثيرة من الجريدة طويت في الأدراج، ودرجة أعلى من المهنية غابت في ظل التوتر الذي حكم آليات العمل. وأخطاء الانطلاقة فرضت مساراً أقل سرعة من الذي كان مفترضاً. وقبل رحيله بوقت قصير، كان جوزف يشعر بالحاجة الى اندفاعة جديدة. ولكنه رحل وترك خلفه تجربة تحتاج الى كثير من الجهد والصبر والثقة والأمل بالأفضل. بدنا كبسي «أبو الزوز» "جوزف سماحة السياسيّ اللاسياسيّ "حازم صاغيةفي قرية نائية في الشمال، حيث كنّا سنويّاً نقضي فصل الصيف، قاد جوزف فريق القرية في «الكرة الطائرة». وكان حين ينهض بجسمه الطويل، لمواجهة الكرة وردّها إلى نحر الفريق المقابل، ترافقه هتافات المشاهدين، ولا سيّما الصبايا: «بدنا كبسي أبو الزوز».
ومرّت سنوات انقطع فيها عن الكرة تماماً. صارت السياسة وسجالات الأحزاب والمثقّفين شاغله، حتى تحوّلت صورته الشائعة من عدّاء رشيق في الملعب إلى جالس مُثبّت على كرسيّ هزّاز في بيت أمّه سيسيليا، وبين يديه إلياس مرقص وياسين الحافظ وبرنامج الحزب الشيوعيّ وردّ معارضيه عليه.
عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
ومع مرور السنين، لم يبق شيء من الرياضيّ الذي قتله السياسيّ والمعنيّ بالشأن العامّ قتلاً مبرماً. وبالسياسة لم يهتمّ أحد اهتمام جوزف. كان يترجم كتبها في الصباح ويتزوّد منها مادّةً لسجاله خلال النهار. وكان يقرأ، فضلاً عن الكتب، ما توافر من صحف، كما يدوّن الملاحظات، بخطّ عكش، على هوامش الصفحات. وفي وقت لاحق، بات يسهر ليالي على التلفزيون، وبعده غدا يتابع الإنترنت لساعات أو يتربّص به تربّص صيّاد بطائر صغير قد يطير تحت شبكة الرادار فيخطئه البصر. يعصر الحدث، وبدقّة ودأب ينصت إلى أتفه تفاصيل السياسة، بصبر لا مثيل له، ثمّ يجد لها مكاناً في تأويل عريض لحركة عريضة.
وربّما كان جوزف، الكاتب السياسيّ، خير وارث للتقليد اللينينيّ في الكتابة، حيث المطلوب تزويد الفئة التي ينتمي الكاتب إليها الموقف الذي تستدعيه اللحظة، وبالحجج التي تتطلّبها سجالاتها، وتنبيه تلك الفئة إلى المناورات التي لا بدّ منها في سياق الاقتراب خطوةً من السلطة، أو تبعيد الخصم خطوة عنها.
لكنّي، مع هذا، لم أعرف أحداً لا يهتمّ بالسياسة مثل جوزف، كما لو أنّ لاعب الكرة الذي كان حوّر نفسه وأعاد صنعها في أشكال من اللعب أخرى. فظلّ في وسع أبو الزوز أن يسخر من موقف يعتنقه ويتحمّس له، ومن طرف يعدّه حليفاً، وأن يفصل اعتقاده عن القداسة والمقدّس. كان يمكنه أن يقضي أوقاتاً طويلة لا يتحدّث في السياسة. وكانت له، إلى ذلك، عادات غير مألوفة في المسيّسين. فهو، مثلاً، كان يعتني بملبسه على نحو يميل أكثر العقائديّين، المعنيّين بما يظنّونه أفكاراً، إلى اعتباره لزوم ما لا يلزم. وكان ملوّناً، وصوفيّو العقائد ذوو لون واحد. وجوزف، قبل هذا وبعده، صاحب نكتة، والنكتة بعض ما يمجّه الذين لا يرون إلّا الجدّ والجديّ في هذا العالم المحيط.
وكان يسمع ويصمت، والواثقون مما هم عليه مولعون بسماع أصواتهم، يملأون بها الأرض ضجيجاً. فإذا ما وقع على صورة أعجبته، ولو ناقضته، أو على فكرة رآها نبيهةً من غير أن يؤمن بها، راح يرويها رواية المعتنق المعجب. فكان يُرفق سرده بالصفير أحياناً، وغالباً بهزّة يد مبالغة كأنها تنفض الماء عنها وتعلو إلى أن تناهز علو الفكرة. فكأن مسرَحَة الأشياء مما لا تصير من دونها الأشياء ولا تتشكّل.
وفي هذا كلّه، كان لا يبارحه ولع بالصور ينافس الولع بالوقائع. والسياسة، ولا سيّما منها التي تنسب الموضوعيّة إلى نفسها، وقائع لا تخالطها الصور. وكان يندهش بالحدث، فلا يظنّه مكتوباً سلفاً، ولا مقدّراً، على جاري ما يعتنقه الحتميّون الواثقون من أنّ حركة التاريخ في جيبهم، يعرفونها مثلما يعرفون أكفّ أيديهم. وهذا الافتتان بالحدث هو، في أغلب الظنّ، ما جعل جوزف الصحافيّ الذي كان إياه.
لكن الصداقة ظلّت فسحته الأكثر نأياً عن السياسة، وأصدقاؤه أكثرهم كانوا يفكّرون على عكس ما يفكّر، ويرون عكس ما يرى. فالصداقة، لديه، مثل الحدائق في المدن الكبرى، أو مثل الكنائس عند المسيحيّين، يقصدونها توخّياً للحظة ابتعاد عن العالم أو استقالة من شأنه العام.
واليوم، حين أتذكّر بدايات المعرفة بجوزف، أتذكّر صلة نشأت بين غريبين في وسط ألحّ على تذكيرهما بأنّهما غريبان. وقد نمت صداقة الغريبين على ضفاف خلافات في السياسة لم تنِ تتجدّد، أو إنّ تلك الخلافات رضيت لنفسها أن تقيم على ضفاف صداقة واثقة من أن اضطراب الكون كلّه لا يهزّ خصلة من شعرها. فأبو الزوز كريم في صداقته، شجاع فيها، خجول حيالها. فكأنه، على ما يقول أهل العشيرة، للسيف والضيف وغدرات الزمن.
والآن، ماذا نقول على مشارف الستّين، فيما الصداقات تغدو مستحيلة بعد الأربعين؟ فمن أين يؤتى بالذكريات والأعمار والأشخاص، ونحن، بعد الأربعين، نكرّر ما عشناه خلال أعوامها المنصرمة، نروي ذكرياتها ونستعيد أشخاصها وحركاتهم؟ والنهايات ربما حملتنا إلى البدايات المنسيّة بالمعنى الذي يقال فيه إنّ الكهل يرجع طفلاً أو يُغويه طفل ضامر. وأنا لا أعرف حتى الآن، يا جوزف، لماذا كانت الصورة الأولى التي استعدتُها حين ركضت إلى غرفتك وحرّكتك فلم تتحرّك، صورة لاعب كرة الطائرة.
... أغلقتُ الباب وحاولت مجدّداً أن أهزّ النائم، لكنّي وجدتُني أقول له بدمع يخالطه تذكّر يرتسم ابتسامةً مستسلمة: بدنا كبسي أبو الزوز.
 بحثاً عن أبيأميّة سماحة «كنّا بغنىً عن الحرب ونحن نُطلق جريدة جديدة»...
بعد رحيلك، أتاحت لي المدينة أن أرى أشياء كثيرة، تتجاوز أحياناً حدود المكان. غالباً ما روادني شعور بأنّ قوةً ما تحملني. أمضيت الجزء الأكبر من العام أتذكّرك، وفي بعض اللحظات أحاول أن أنساك. أردت أن أتبيّن ما بوسعي أن أعطيه بعدما لم تعد أنت ملهمي المباشر.
عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
منذ أشهر، أطفأت جريدتك شمعتها الأولى من دونك. لحظة العيد والبهجة كادت تبلغ تمامها. لم أكن أتخيّل، والحداد يلفّني، أنني قادرة على المشاركة في تلك السعادة. لقد أطلقتَ شيئاً يتواصل بشكل أو بآخر بعد موتك. ستبقى أبداً شخصاً يضجّ بالحياة.
نظرتُ يومها إلى المحتفلين، وقلت لنفسي: كلّ هؤلاء، جوزف هو الذي جمعهم. وشعرتُ بفخر كبير. كانوا أشخاصاً مجهولين بالنسبة إليّ، فإذا بهم يكتسبون شيئاً فشيئاً مكانةً كبيرةً في القلب. رغم مشاعر العاطفة والاحترام التي كانت تتجاذبنا، لم يقم أيٌّ منهم بخطوة نحوي، ولا بذلت أنا ذلك الجهد. كانوا هنا ببساطة، سبب وجودهم هو جوزف، وقد بدا لي ذلك كافياً. مثلي بَكَوه، كلٌّ على طريقته. لقد أدركوا حقيقة مَن يكون. لا شك إذاً في أنّهم كانوا بدورهم يبحثون عن شيء ما.
ويرقص أيضاً وأيضاً... مع ابنته أميّة هذه المرّةغالباً ما طرح عليّ السؤال إن كنت أنا أيضاً صحافية. كنت أجيب مازحةً: «لقد أفلتُّ بأعجوبة من هذا القدر». أخذت عن جوزف قيمه واحترامه للآخرين. فتصوروا لو كان عليّ فوق كلّ ذلك أن أتّبع مبادئه بحذافيرها، وأن أقتفيَ أثر صاحب تلك المبادئ.
أحد أصدقاء جوزف، قال مرةً إنّ الحنين ليس إلا تعبيراً عن ندمنا، لأنّنا لم نحبّ كما كنّا نشتهي. وأنا أقع أحياناً في فخّ الحنين، لكنّ الذكرى التي بقيت لي منك متأججة ما يكفي كي تنتشلني بسرعة من الحزن.
الجريدة وحدها لا يمكنها اختصارك. لكنّها الوسيلة التي اخترتَ، والوسيط الذي كنتَ تحسن التعبير من خلاله بمهارتك المعهودة. كنتَ تجمع الناس من حولك، تضيء الطريق بإضافاتك، تساجل بحسّ نقدي مرهف، وتترك بعدها للآخرين أن يكوّنوا فكرتهم ويعبّروا عن ذواتهم. وكنتَ مُحترَماً من ألدّ خصومك.
الصحافة بعدك صارت شيئاً آخر. لقد باتت، أكثر مما مضى، مهنةً مقدّسة، حتى لو لم يتقيّد الجميع، على الدوام، بالأخلاقيات النابعة من صميمها. والصحافي بعدك لم يعد بوسعه أن يكون كما في السابق... عليه أن يتساءل عن كيفية تقديم الخبر، وأن يبذل جهداً لنقل الحدث إلى الجمهور بطريقة مبتكرة. أما التحليل السياسي فقد قطع معك أشواطاً كبيرة. ربما كان في هذا الإطلاق شيء من المثالية، أعرف ذلك... لكنّها رؤيتي إلى الواقع، حلمي، وإيماني الذي وجدته بعدك في عدد من الأشخاص.
لدى ولادة «الأخبار»، كنت تتكلّم عن «حدث عاطفي في منتهى الغنى». أن لا يهب المرء نفسه لمهنة فقط، بل لعائلة حقيقية. أعطيتَ من نفسك لهذا الحلم أكثر مما ينبغي ربما، حتى بتَّ تشعر بحاجة ملحّة إلى الراحة. وها هي عائلتك اليوم تتحلّق حولك بفرحة ليس لها مثيل. من خلالها، بات من الممكن أن تتجسّد تلك العلاقة العضوية مع الناس.
لو أنّ سمير كان هنا، لأحبّ جريدتك ربّما... أو ربّما كرهها. لكن ما كنَت تتمناه من صميم قلبك، هو أن يحترمها على رغم ما بينكما من اختلاف. وهذا يشي بمسألتين أساسيّتين، الأولى هي انخراطك العاطفي في ما آمنتَ به وناضلتَ من أجله... أما الثانية، فمراعاتك الدائمة لحضور الآخر المختلف. لذا، كان يعزّ عليك كثيراً أن تكون جريدتك فضاءً جميلاً، جديراً بالاحترام، قادراً على جمع القراء وتوحيدهم على مبادئ انسانية واجتماعية ووطنية مشتركة.
في كل منبر صحافي، متجاوزاً الحدود السياسية التي يفترضها الالتزام، أراك حارس الهيكل، جودي* ــــ بتعبير سمير قصير ــــ أيّها الابن الرهيب لعلم النفس السياسي.
* Jedi جماعة لامتناهية القدم، تتميّز بالسيطرة على القوّة، وتسهر على السلام والعدالة (سلسلة «حرب النجوم»)  إنتَ كيف؟صباح أيّوبيتوجّه عمر إلى مكتبك بخطى سريعة، عيناه تبرقان، ووجهه يُنبئ بأنّ لديه «خبرية بدّا تكسّر الأرض»...
«وينو جوزف؟» لا تكاد يده تلامس مسكة الباب حتى يتنبّه للأمر. فيستدير، تحمرّ عيناه وتدمعان... «كنت بدي خبّرو خبريّة وكان رح ينبسط فيها!» يدور في أرضه، يتمتم، يعبس، ويعود أدراجه منهكاً.
في الممر الطويل هدوء تخترقه ابتسامة بعيدة.
عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
وها نحن نستفيق كل يوم، نعاند العمل الجاف، نخاطب الصور أحياناً، ونخلق «سماحة» في كل لحظة ضعف أو قرار أو احتفال. كان ليفخر بهذا العدد، وكان ليغضب من ذاك.
نشهّد بعضنا على عبارات قُلتها يوماً ومرّت على مسامعنا من دون أن نتنبّه أنّها علقت وبقيت في الذاكرة حاضرة ومرفقة ببعض الحركات والنظرات ونبرات الصوت. مطبوع أنت في أذهاننا ذخيرة نواسي بها الأيام ونواجهها من بعدك.
وصلني للتوّ إيميل من بيار، هو في الصين واليابان والسند والهند... يجول في أقاصي الأرض علّ المسافة البعيدة تنسيه ما حصل فيعود محملاً بالأخبار و«الصرعات» لأبو الزوز يشاركه بها لحظة وصوله. لكن... دون جدوى.
الكلّ حَزن وافتقد وواجه. البعض وضعك صورة أمام عينيه مباشرة يستشيرك، يمازحك ويصبّ غضبه عليها أحياناً. والبعض غرق في العمل وتمسّك به استكمالاً لرسالتك وللمشروع الحلم.
اجتماعات لرفع المعنويات، وأخرى لملء الفراغ. الشباب يسألون عمّا كان رأيك بهم، من سيقود الأحلام الآن؟
... ما زلتُ أقرأ وأقرأ، لكنّي لا أفهم شيئاً. كمن انقطع لديه عصب الربط بين القراءة والجزء الأمامي من الدماغ. في أي مرحلة من المخطّط نحن؟ ماذا سيحصل الآن؟ من هي ميشال سيسون؟ ماذا قالت رايس لمساعدها في طريق العودة من فلسطين المحتلة؟ ما يعني ذلك؟ المحافظون الجدد «يسجّلون نقاطاً جديدة» كما يقولون في افتتاحياتهم، لكن أين؟ وكيف؟ ما كانت آخر هفوة لبوش أثناء زيارته الخليج العربي؟ إلى أين سيصل ساركوزي في سياسته؟ ماذا عن وضعه النفسي؟ لماذا لم تقبل «ياهوو» بعرض «مايكروسوفت» لغاية اليوم؟ في أي طور من «الحالة الجنبلاطية» نحن؟ ماذا عن انفجار الأمس؟ هل شاهدتَ «سكّر بنات»؟ ما رأيك؟
في الممر الطويل ضجيج عمل تريحه ابتسامة عريضة... صامتة.
 على مين يا سيد العاشقين؟بيار أبي صعب«يا ما لك في الحب ضحايا/ بيحكو عنك روايات/ بيقولوا إنك بتألّف/ بالليلة سبع غنوات/ والغنوة الوحدة في ليلة/ تلحنها سبع مرات...».
كان يحبّ أن يمضي السهرة هنا، في خلوة ذلك الصالون البيروتي القديم الذي ينتهي عند القناطر الثلاث، في ضيافة الصديقة الغالية على قلبه. وغالباً ما أكون ثالثهما. نجلس ونضع الكأس ــــــ تلك الليلة كانت زجاجة الـ«غلنمورنجي» في أوّلها ــــــ وهي تختال كأميرة. تجلس وتدير دفّة الحديث بأسئلتها. «طيّب أبو الزوز، قُلّ لي...». السياسة
عام على غيابه: جوزف سماحة الراقص في العتمة
طبعاً. يكفي أن تطرح عنواناً، كي تسمع مطالعته الكاملة للوضع وخلفياته الاستراتيجيّة. معه تشعر دائماً بأنّك ذكي، وتفهم في السياسة!
لكنّنا الليلة سنسمع أغاني حبّ. لقد عاد جوزف من دمشق بمجموعة سي دي نصحه بها صاحب «شام دام»، سلطان السماع العجوز، وبينها اكتشاف ثمين: مغنية سوريّة اسمها منى حسن، تؤدّي بصوت طربي رخيم أغنيات يحبّها كثيراً لفايزة أحمد وشادية وصباح (القديمة) وشريفة فاضل...
الليلة الـ «مود» عاطفي إذاً. بعد كأسين أو ثلاث يصبح أبو الزوز رومنسياً... يتحرر من خجله الأسطوري. يستريح جسد الفارس الآتي من زمن آخر. حين يشرب يصبح مهضوماً، كانت تقول صديقة خبيثة. «إن كنت فاكرني منهم/ روح إسأل قبل أنا مين...». تواصل منى حسن استحضار شريفة فاضل. يحرّك أبو الزوز يده اليمنى، يجمع أصابعه ويوجّهها إلى قلبه ثم صوبنا. ويتمتم مع الأغنية، عيناه شبه مغمضتين. تُرى أين يذهب عندما يغمض عينيه؟ يخاطب امرأة بعيدة، مجرّدة. أين أجدها؟ لدي حديث معها عن السيد جوزف سماحة.
«على مين، على مين، على مين...؟». تعيدها منى حسن وتقول في المرّة الثانية: «على مين يا سيد العارفين»، بدلاً من «يا سيد العاشقين». نرد كلّنا، وقد استدرجَنا إلى انخطافته، كما استدرجنا إلى أشياء كثيرة أخرى: «متروحش تبيع المَيّة في حارة السقايين». في صالون الدار التي كان يطيب فيها السهر، فكرتُ مراراً: كل هذه السنوات ولم أحصر سرّه تماماً: كيف يحبّ أبو الزوز؟
مرّة في باريس، أواخر الثمانينيات قال بين المزح والجدّ: «أظن أنني لا أعرف كيف أحبّ، هل تعتقد أن عليّ اللجوء إلى التحليل النفسي؟». اعتبرت أنّه يدخلنا في تمرين ذهني من تمارينه... يلعب بطريقته الماكرة، يمدّ لي فخّاً، أو ربّما كان يمدّه لنفسه. كل أولئك النساء من حولك يا أبو الزوز، ولا تعرف أن تحبّ؟
صحيح، إنّه على الدوام محاط بالنساء. الرجل اللبق والبارع والأنيق، المترف رغم انتمائه الجذري للكادحين، كان يثير غيرة الكثير من أصدقائه وأبناء جيله، أو لنقل يحرّك فضولهم. هؤلاء المكبّلون بالإيديولوجيا ومركبات النقص... أو ببساطة الرازحون تحت وطأة تربية رجعيّة، محافظة، لا تكفي الأفكار التقدميّة لتجاوزها.
هؤلاء الذين يرونه زير نساء، لم يفهموا شيئاً. أبو الزوز يجذب بذكائه أولاً، لكن أيضاً برقته المجرّدة من كلّ ذكوريّة. يترك سيفه خارجاً، ويدخل عالم الأنوثة بصفتها أرضاً صديقة. الذين يعرفونه يقولون لكم إنّه يخجل كثيراً، يعجز مثلاً عن النظر إلى سيدة تعجبه جالسة قبالته، فيروح يشغل نفسه بمسائل أخرى. وأنا أتسلّى بإحراجه، فيطرق برأسه ويغمغم.
حول التابوت كنّا مجموعة نساء، نبكي ونضحك، ثم نخاطبه. «الزعيمة» قدّمت السيّدة السمراء التي جعلها البكاء أكثر جمالاً، إلى الشابة الطويلة التي تخبئ براكين صوفيّة خلف برودها الظاهر. قالت الزعيمة (مازحة): «أنتما آخر حبيبتين في حياته!». وأحضرت الثانية كؤوس الكريستال من بيتها القريب من الكنيسة، على طريق الشام. على التابوت وضعنا كأساً من البوردو الذي يحبّه، وشربنا نخبه... السهرة نفسها، كان يمكن أن تكون في الصالون الكبير حول طاولة البلياردو، شارع فيكتور هوغو. في الزوايا رجال، من زملائه وأصدقائه ورفاقه ومعارفه، يرمقوننا بعين الريبة. كل النساء حول التابوت، «جوقة عذارى» هاربات في معبد باخوس. يتبارين في الأناقة والإغراء. ترى أيّهن حبيبته؟ كلّهن؟ ولا واحدة! يا رجل كبّر عقلك.