خبر عاجل Flash News

موقع مستقل و رأي حرً

الصفحة الرئيسية Home page arrow مركز الأخبار News Center arrow أخبار الصحف arrow بيـروت تخـاف علـى أهلهـا... أم تخـاف مـن... أهلهـا؟
بيـروت تخـاف علـى أهلهـا... أم تخـاف مـن... أهلهـا؟ PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
الكاتب/ ِمدير الموقع   

 

ImageImage

جريدة السفير

«... أنت وطني أرفع علماً على شرفة منزلك»!

 
بيـروت تخـاف علـى أهلهـا... أم تخـاف مـن... أهلهـا؟
 
 
  
  
 
زينب ياغي
تضع الجولة في أحياء بيروت، امام ناظريك، خريطة للمدينة، ربما لا ينتبه اليها كثيرون من أهلها ومن الجالسين في «مقراتهم»، إلا من زاوية حسابات الانتخابات والأرقام والنفوذ.
تُنسج الخريطة في «المقرات» من خيوط نايلون تقارير الموظفين بينما هي تُنسج في الواقع من لحم أهلها، فتظهر في الطرقات والشوارع بين الأحياء والمناطق مفترقات، يغذيها الخطاب السياسي اليومي، بدلا من أن يهون منها.
تكاد تضيع الهواجس المشتركة بين كل الناس في تأمين مقومات الحياة، وتستطيع أن ترى في بيروت المختلطة، من كل الناس، خطوطا واضحة بين راس النبع وبين البسطة. بين الطريق الجديدة وبين بربور. بين عائشة بكار وبين حي اللجا.
ثمة طريقة جديدة في التخاطب. يردد العديد من الاهالي أنهم يحددون الهوية المذهبية أو المناطقية تبعا للكنة التي يتحدث فيها من يعرفونهم أو من يتعرفون اليهم.
تقول نبيلة القاطنة في رمل الظريف إن الاهالي اصبحوا يحددون هوية بعضهم البعض من خلال شرفات المباني، فمن يرفع العلم اللبناني على شرفة منزله يعلن انتماءه «الوطني»، ومن لا يرفع العلم يعلن أيضا انتماءه «اللاوطني»!.
يعرفون اتجاهات بعضهم، وهم القاطنون في المباني المشتركة، عندما يخرجون إلى التظاهرات. تظاهرات الموالاة وتظاهرات المعارضة. يعرفون في أي منطقة يتساوون عددا وفي أي منطقة توجد غلبة لفريق أو لطائفة أو مذهب.
من الواضح أنهم يهتمون بتلك المعرفة، من أجل أمنهم وأمن أبنائهم في حركتهم اليومية، فإذا كانت لا توجد حتى الآن فكرة فعلية عن حجم الانتقال السكاني من منطقة إلى أخرى، إلا أنه توجد مؤشرات، وإذا كان من غير المعروف فعليا عدد الطلاب الذين تركوا مدارس تتواجد فيها إدارات ذات غلبة طائفية أو مذهبية، إلا أنه توجد أيضا مؤشرات، بينها مثلا انتقال طلاب من سكان الضاحية الجنوبية من مدارس في بيروت، إلى مدارس قريبة من أماكن سكنهم، وإن كانوا قلة حتى الآن، ناهيك بما تشهده المدارس والجامعات من حوادث شبه يومية.
تجمع بين هؤلاء حقائق مشتركة كثيرة منها الزواج المختلط الذي يشكل النتيجة الاساسية للحياة المشتركة وربما يشكل رادعا ضد محاولات فصلها.
رأس النبع
في رأس النبع أو بربور ـ المزرعة، أو رمل الظريف، او حيث يبدو الاختلاط كبيرا ومتداخلا بين «المذاهب»، يجري التعبير بوضوح عن الرعب من الحرب.
يقول «ابو أحمد» ابن منطقة راس النبع عن الذين يتحدثون عن الحرب «انهم لا يعرفون ما هو الموضوع، المسألة هنا أن المسلمين متزوجون من بعضهم، وهناك مسلمون متزوجون من مسيحيين، يعني اذا كنت من المذهب الشيعي وشقيقتك متزوجة من رجل سني، فهل تقتل زوج شقيقتك إو ابنها.. هذا حرام»؟
الحرب في هذه الحالة تختلف كليا عن الحرب الاهلية في منتصف السبعينيات، التي بدأت، كما يصفها «مسيحية فلسطينية» ثم تحولت «اسلامية مسيحية» وانتهت «مسيحية مسيحية وشيعية شيعية» الخ... اليوم، يتابع «أبو أحمد»، هناك مسلمون يختلفون مع بعضهم ومسيحييون يختلفون مع بعضهم... إنها الكارثة بعينها.
يعتبر «ابو أحمد» القاطن تحديدا في الشارع الذي حصلت فيه اشتباكات السادس عشر من شباط الأخيرة، أن الكلام عن احتلال بيروت «كلام يصدر في حالة غضب فيكون قاسيا، لكنه كلام «غير مجمرك» يزول مع عودة الهدوء الى النفوس».
يعتبر «ابو أحمد» أن الشبان المحازبين في الحي هم سبب المشكلة لكنه لم يلاحظ حركة نزوح من الحي، «فالناس لا يصدقون أن حربا ستحصل».
يلتقي «ابو أحمد» بأحد «رجال الحي» الذي يبادر الى ممازحته قائلا «سوف آخذك معي إلى الضاحية»، وعندما يغادر الرجل يوضح «ابو أحمد» بصوت خافت «صاحبنا بعلبكي وسني ومتزوج من شيعية بالضاحية». يردف «هذه عينة... كيف ستحصل الحرب»؟
يحاذر العديد من سكان الحي الحديث، خصوصا بعد «الاشتباكات الأخيرة». لا يريدون أن يكون لهم موقف، لكنهم يعبرون عن خوف مشترك «كيف سينفصل السكان عن بعضهم وبينهم مصاهرات وعلاقات قربى»؟ ويوضح رجل ستيني يقطن في شارع عمر الخطاب (رأس النبع) أنه يشعر بالقرف أكثر من الخوف ولذلك يحاذر التصريح بينما يقول رجل آخر «الحرب هي للذين يتقاضون الدولارات من الخارج ويحرقونها في بلدهم، يا ويلهم».
تقول فاطمة الايعالي وهي سيدة طرابلسية إنها تريد أن توصل صوتها إلى من يعنيهم الامر: أنا اسكن في مبنى يوجد فيه سنة وشيعة ودروز، تهجرت من برج حمود خلال الحرب الاهلية إلى راس النبع واسكن هنا منذ ثلاثين عاما، الحرب إذا حصلت سوف تكون اكبر بكثير من حرب العام .1975 لن نستطيع عندها التنقل بن طابق وآخر، لوين بدي روح بعد، ما بدي روح على محل، سوف ابقى هنا.
الظريف
في منطقة رمل الظريف تعبر محاسن دمشقية ولديها محل تجاري عن رعبها من مجرد فكرة الحرب «اصدقاء زوجي من الشيعة وجيران ابنتي من الشيعة وتسكن ابنتي في حي الجاموس في الضاحية، وقد سألتها إذا كانت تود الانتقال من منزلها فردت علينا «مش واردة... جيراننا يحبوننا يا ماما».
تعتبر محاسن أن المشاكل التي تحصل «من صنع شباب محدودي التفكير يريدون تجريب حظهم، هؤلاء لا يعرفون أنهم يدمرون بلدهم، أنظر إلى صور الشباب على الحيطان، وافكر أنهم جميعهم لبنانيون، مهما كان خلافنا معهم، في «بلاد برا» الكلب لديه قيمة، ونحن شبابنا يذهبون في شربة مي».
يعمل ابن محاسن في أحد المصارف، وقد تلقى الموظفون هناك تعليمات أنه ممنوع الكلام في السياسة. عاشت محاسن الحرب الاهلية بكل فصولها، لكنها ليست خائفة على نفسها إنما على أبنائها، وتسأل «من هي الام التي تستطيع إجبار ابنها على البقاء في المنزل، كلما عاد من عمله؟ حتما سينزل عند رغبتي اياما معدودة، ثم يريد الخروج مع اصدقائه، لا نستطيع سجن أولادنا، من سيغزو من؟ لبنان كله شقفة صغيرة».
يقول عصام وهو صاحب مكتبة في الظريف إنه خائف على أولاده من الجو الذي يتربون فيه، لكنه لا يزال يعمل في مكتبته. يدعو السياسيين الى كبر العقل لأن بيروت «كلها مصاهرات».
توضح زوجته نبيلة التي تعمل معه أنه في الليلة التي حصلت فيها مشاكل راس النبع كانت العائلة تحتفل بزواج ابنة خالتها في احد فنادق العاصمة «العروس شيعية والعريس سني»، أي أن خالتها متزوجة من شيعي، كما أن شقيقتها متزوجة من شيعي، وهكذا.. «يا أختي لن تحصل حرب. هناك تهويل فقط»، ترد نبيلة، وتضيف «الحرب سوف تمزق عائلتي، لا أتخيل حصول ذلك نهائيا».
بربور ـ المزرعة
في المناطق ذات غالبية اللون المذهبي، يتصاعد الكلام حتى القول إن «الحزب» سوف يخوض الحرب عاجلا أم آجلا، فتعيش الغالبية على وقع تلك «الفزاعة»، وتعيش الاقلية مخاوف استمراريتها هناك.
في منطقة جامع عبد الناصر، يقول حسن لزوجة صديقه القاطنة قرب مركز «أمل» في بربور ردا على عتاب قلة الزيارات «اصبحت اخشى الدخول إلى «مقاطعة بربور»، فترد عليه ضاحكة «ولو! فيك تمرق، المناوشات ما عم بتكون طويلة»، لكنها تردف وهي زوجة رجل يساري، بانها خائفة على طفليها الصغيرين كثيرا، «يوجد في حينا رجال هم مع الاسف أبناء عم، لكنهم يتوزعون بين المعارضة وبين الموالاة، كل أسبوع تقريبا يشتبكون مع بعضهم، من أجل أتفه الاسباب، لم تعد الحياة تطاق هناك.
يرد محمد وهو يسكن في بربور مازحا لدى سؤاله كيف يعيش يومياته في ظل التوتر بين الأحياء، اشرب القهوة مع الجيران، ثم يكمل مزاحه «لو حصلت الحرب سوف يطلّق كل المتزوجين من المذهبين السني والشيعي بعضهم». يوضح محمد أن المشاكل تحصل في «الكورنيش» (المزرعة)، حيث ينزل فريق من الشباب من بربور وفريق آخر يأتي من الطريق الجديدة ويلتقيان عند الكورنيش. يتحدث عن «الكورنيش» كأنه في عالم آخر، بينما هو لا يبعد الا مسافة أمتار عن مكان عمله وإقامته.
تشعر من كلامه كأن الحياة يمكن أن تصبح محصورة داخل حي أو شارع، يقبل بها على مضض، من لا يستطع توسيع دائرتها، يحافظ قدر المستطاع على علاقة مختلطة.
الطريق الجديدة وعائشة بكار
عندما تسود اللغة الدبلوماسية إذا جاز التعبير تستطيع أن تسمع رجلا بيروتيا كبير السن في الطريق الجديدة يقول «يا ضيعان أرض بيروت التي يطأون عليها»، ذلك الكلام موجه الى الفريقين «من هنا وهناك».
تقول فاتن إنها نشأت في الحي وتعتبر نفسها ابنته. لديها صداقات ومعارف يتحدثون أمامها براحة واحيانا يشتمون. لكن ذلك الشعور بالانتماء الى الحي بدأ يتراجع، ويحل محله القلق، خصوصا على زوجها. توجد لديهم فكرة رائجة أن أهالي «هيديك المنطقة» سوف يقتحمون الطريق الجديدة، لا يعنيهم كثيرا الكلام المتكرر لحزب الله بأنه ضد الحرب الأهلية.
ورثت فاتن المنزل عن أهلها، لا تفكر ببيعه، لكنها جهزت «الفيزا» إلى قطر حيث يوجد لديها أقارب هناك «إذا حصلت الحرب فلن ابقى يوما واحدا في بيروت».
ويقول الحاج عبد الكريم عيتاني بلكنته البيروتية إن الحرب بين السني وبين الشيعي «ما رح تصير»، والشباب الذين يحرسون في الليالي في الأحياء «يريدون العمل»، ويوضح ان بينهم طلاب جامعات يريدون الحصول على مصروف يومين ويضيف: أنا صهري شيعي. ما رأيك هل أطلب الطلاق لابنتي؟
«سوف نمنعهم من إسقاط عائشة بكار، مقر دار الفتوى، إذا هاجموها»، هكذا يردد بعض شباب عائشة بكار في مواجهة شباب حي اللجا المجاور...
 
< السابق   التالى >