|
الكاتب/ ِمدير الموقع
|
[قصة قصيرة " حصان أصهب بجناحين " بقلم محمد عبد الله الهادي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ فرَّت من عين أمي دمعة ، دارتها عن القوم الذين اجتمعوا لوداعي ، كان وجهها يتألق بابتسامة مضيئة ، كنت ـ لحظتئذ ـ أتعلق بعنق حصاني الأصهب ، واضعاً قدمي في " الركاب " ، وكلما حاولت ـ بكل العزم ـ الارتقاء لصهوته العالية تعثرت وسقطت .. يضحك أبي ويقول : ـ " لا عليك يا ولدي " . تمسح أمي دمعتها براحة يدها ، وأدركت أنها دمعة فرح ، يستفزني ضحك أبي وأحاول دون جدوى ، فأردف : ـ " لا عليك يا ولدي .. عندما تعود ويتم المراد سوف تستطيع " . وكان الحصان يهمهم ، ويضرب حافره في الأرض ، ويشرع عنقه صوب السماء الصافية المفتوحة .. لفني أبي تحت إبطه ثم حطني فوق السرج اللامع ، حمحم الحصان وتأهب للرحيل منتظراً الإشارة ، لكن أبي الشيخ " قحطان " ذكرني : ـ " لا تنس يا عدنان عندما تشرق أو تغرب .. تعز وإب وصنعاء .. يثرب وبغداد والمعرَّة .. يافا والقدس والكويت .. عمان وطرابلس ونواكشوط .. الخرطوم والرياض وسوسة ووهران .. لا تنس أحداً يا ولدي .. كل العرب البائدة والحاضرة .. العاربة والمستعربة .. المساعيد والحويطات .. آل عتبة والضباعين .. جهينة والشلاوي .. " . ظل أبي يصب في مسمعي كل الأسماء حتى ظنت أنه لم ينس أحداً ، ولم أكن أنسى أبداً ، لأنه من قبل كان قد أودعني كل الأنساب فأخفيتها في قلبي . قبل أن يعطي الإشارة ، امتشق السيف ولوَّح به فومض ثم دسَّه في جرابي ، وقال : ـ " هذا لعدوك " . ودسَّ في يدي اليسرى المهماز ، وقال : ـ " هذا لحصانك " . ثم وضع يده علي صدري فانشق ، فأخرج قلبي وطوى فيه الكتاب ثم أعاده فالتأم صدري ، ثم تنهد وقال : ـ " الآن ..هيا يا عدنان " . ولوَّح لي أهل عشيرتي بأكفهم : ـ " مع السلامة " . انطلق الحصان يعدو فوق الرمال مخلفاً مضاربنا ، ثم انبثق له جناحان ، فعلا وطفوت به فوق السحــاب . * * * أنفاس الليل صيفية ، هينة الوقع علي أكواخنا وخيامنا المبعثرة ، القمر السادر بعلياء السماء بـدر تام الاستدارة ، كقرص من فضَّة تنسكب علي بدن الكون ، كنا قد استقبلنا ضيوفنا الكرام وهو يأتون من كل صوب وحدب ، كان الليل الدافئ بنجيماته المشتعلة المرتجفة صامتاً ومهاباً ، ليس هناك سوى كروان يصدح وقبرة تغني ونعجة تثغو وبقرة تخور وكلب ينبح وذئب يعوي في البراري بعيداً . رجال عشيرتنا يصطفون ومعهم بعض الضيوف ، يدقون بالكفوف ويتمايلون في جلابيبهم السابغة ، وتنتظم أصواتهم مع اصطفاق الكفوف ورفع الأرجل ودق النعال في الأرض ، الميل والاعتدال المنتظم : " رايحين نقول نريده رايحين نقول نريده " (1) يرقصون " الريدية " ، ثم يسرع الإيقاع : " الدحيوه .. الدحيوه آهـي آهـو .. الدحيوه " (2) وكانت الأنثى الملفوفة من قمة رأسها لأخمص قدميها بالأقنعة السوداء تهتز برشاقة أمام صفهم ، وتراهم بعين واحدة ، وتشير صوبهم وهي تهشهم بعصاها القصيرة ، وهم يحاصرونها بأجسادهم الفتية التي تنضح بالعرق .. ثم جلسوا .. وقف أبي يدعو الجميع للطعام فلبُّوا . * * * قطع اللحم المسلوق الملفوف بـ " الدبدوب " (3) ، الكل يتحلق حول أناجر الفت الملآنة وأوعية الحساء ، وصاح رجلٌ : ـ " أخلف الله عليك بالحلال ياشيخ قحطان .. وبارك لك في ولدك " . وعرفته ، إنه " حاتم الطائي " ، وكنت في رحلتي لمَّا رأيت ناره التي لا تنطفئ ، هبطت بحصاني إليه ، فآواني عند ثلاثة أيام ، ثم قبل دعوتي لحفلي : ـ " إنني أدعوك أيها العم الكريم " . ـ " أقبل إن شاء الله يا ولدي " . وانتبه أبي للشيخ الذي لم يمد يده ، كانت عيناه المطفأتين ـ رغم غيابهما ـ تحاصراننا بمهابة ووقار ، وأبي يدعوه للطعام ، لكنه يأبى ويسأل : ـ " أين عدنان " . ولمَّا لبيت قال : ـ " أحضر لي جبناًٍ وخبزاًٍ بعيداً عن أعينهم " . كنت في رحلة الدعوة قد هبطت بحصاني تحت شجيرة ، وغفوت استريح ، وانتفضت علي صوت قافلة تمر بي ، ورأيته لأول مرَّة ، وكان حادي القافلة يخاطب هذا الشيخ العجوز : ـ " يا أبا العلاء .. بالله عليك أنشدنا .. أسمعنا أبياتاً من الشعر نقطع بها الوقت ، وارتكز الشيخ " أبو العلاء المعري " علي سنام ناقته وهو يقول : ـ " صلوا علي طه الرسول " . ـ " آلف صلاة عليك يانبي " . وأنشدنا أشعاره : " يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر لعل بالجذع إعواناً علي السهر ما سرت إلاَّ وطيف منك يتبعني سرى أمامي وتأويباً علي أثري " وغمغم الحادي مردداً : ـ " ياله من شعر !! " . وأقبلت عليه أقبل ظاهر يده ، وقلت له أخاطبه : ـ " يا أبا العلاء .. يا ابن المعرَّة .. إنني أدعوك لحفلي " . قـال : ـ "إذا قدر لي العودة من بغداد فإنني بإذن الله فاعل " . * * * لمَّا عرجت صوب خيمة الطعام ، وجدت أمي تحوط عروساً شابة برعايتها ، كانت العروس جميلة بثوبها الأبيض وقبعتها الحمراء ، وقفز قلبي الصغير الذي يعرفها من مكمنه ، كنت قد هبطت بأرض الشام ورأيتها تقود سيارةً مليئةً بالمتفجرات ، وكانت هناك قافلةً للأعداء تمر ، دبابات ، سيارات مصفحة ، عربات جنود .. قلت : ـ " أين نحن يا فتاة ؟ " . ـ " أنت في الجنوب اللبناني أيها الصبي العربي " . ـ " وماذا تفعلين ؟ " . ـ " لقد قررت الفداء بنفسي " . ـ " لماذا ؟ " . ـ " لقد شاهدت مأساة الاحتلال .. قتل النساء والشيوخ والأطفال " . ـ " ما زلت عروساً صغيرة " . ـ " روحي وأرواح الشهداء تفجر زلزالاً علي رءوس الأعداء .. هذا هو عرسي وزفافي " . ـ " لكنني أريدك أن تحضري حفلي " . ـ " سوف أفعل " . وتركتني وهي تقترب بسيارتها من قافلة الأعداء .. قبعة حمراء ، بذلة بيضاء ، وجه جميل ، ضغطت علي الزناد ، انفجرت السيارة في جوف القافلة فتمزقت ، وصحت بأعلى صوتي : " سناء " .. " سناء يا محيدلي " ، انفلت صوتي باسمها ، ابتسمت وردَّت : ـ " ماذا تريد يا عدنان ؟ " . أفقت وأمي تنظر نحوي فهمست لها : ـ " أريد جبناً وخبزاً يا أمي لحكيم الزمان ورهين المحبسين " . قالت " سناء " : ـ " لكنك خاطبني الآن .. ماذا تريد ؟ " . قلت : ـ " كنت أودُّ السؤال عن الطفل الذي دعوته ؟ " . قالت : ـ " إنه هناك مع الرجال " . وأنا أعرف أنه هناك يلف وجهه بكوفية ، وتقبض كفه علي حجر ، ويرفع إصبعيه بعلامة النصر . كانت أمي قد أحضرت طبق الجبن والخبز فتناولته ومضيت . * * * كانوا يحتسون القهوة بصرير واضح في فناجيل صغيرة تحمل بين الأنامل ، ويدور الساقي مرة تلو المرة ، يرتكز علي ركبته ، يصب ثم يعود للراكية التي تصهلل نيرانها حول البكارج الكبيرة . كان شاعر الربابة " عبد البديع " يقتعد الأريكة العربية ، وكان الصمت قد حلَّ ، وطلعت العيون صوبه ، وهو ينحني بحميمية وود علي الربابة يداعب وترها ويشد القوس ويصيح : " أول ما نبدي القول .. نصلِّي علي النبي " وأنشد يرحب السامعين : " أهلاً بالمجد وبالكرم .. والفتية من خير الأمم من شاطئ دجلة للهرم .. وجبال الأرز إلي الحرم أكرم بالفصحى من رحم " وانبثق النغم الشجي ، وترنم الصوت الجميل من بين الشفتين الناتئتين.. كيف ينفذ اللحن في البدن الحي ؟ .. أ مصغٍ أنا إليه ؟ .. أحلق معه ، أنظره بعظامه الجافة وعينيه المتوقدتين بين الأهداب والحاجبين الكثيفين وللحية الفضية المهوشة ، ينحسر كُم الجلباب عن الساعد الذي يروح ويجئ بالقوس ، والنغم يحل علينا كزرزرة زرازير تارةً وعقعقة سمَّان تارةً وشجو طائر مهاجر في الزمن تارةً أخرى ، والرجل يتكور وينبسط ويغني ويصيح ويهمهم ، يضحك ويبكي ويغني ، يقف ويقعد ويغني .. هو بغنائه ما زال يرحب بالحضور واحداً واحداً ، يغيب ويحضر ويغني ، يهاجر للماضي ويعود للحاضر ، لم يحك عن " أبي زيد الهلالي سلامة " ولا " سيف بن ذي يزن " ، لم يحك عن " قيس " و" ليلي " ولا " عنتر " و " عبلة " ، لكنه قال دعوني في هذا الحفل أحكي عنكم ولكم .. عن " خال بن الوليد " فانبثق بين الحضور يلوح بسيفه العاشر ، وكنت قد دعوته .. عن " عبد الناصر " ، فأطلت ابتسامته من فوق منكبيه العريضين .. عن " صلاح الدين " و" الظاهر بيبرس " و " قطز " .. عن " جابر بن حيان " و " الخوارزمي " .. عم " ابن خلدون " .. عن " السادات " يعبر القناة .. كان الصوت الشجي يفرش مساحة الكون ، وكنا نحن مشدودين إليه بأجسامنا وشخوصنا المسربلة بظلال المساء ، نتمايل في وله وندور معه في أفلاكه ولا فكاك من الزمان والمكان ، ويصفق له " ابن بطوطة " و" ابن عربي " . هو يأخذنا حينما يريد أو نريد ، كان أبي يميل طرباً ويضرب بيده جدار الزمن ، والليل يتقدم والزمن يتهاوى وينصرم ، وشاعر العرب " عبد البديع " ما زال يحكي ويغني ، والساقي يهب بين الحضور وخلفه الولد يحمل الأكواب والفناجيل . * * *
مضى الليل كثوان معدودة ، والفجر يدق الأبواب ، وينبثق من جوف الظلمة المتقهقرة بخيوط من نور . القوم في نشوى ويطلبون المزيد ، والشاعر " عبد البديع " يستجدي الليل ويرجوه دون جدوى : " أمانة يا ليل تقول للفجر يستنَّى خلِّيني آخد وصالي بالمحبوب واتهنى أمانة يا ليــل " وكنت قد تهيأت ، قبض أبي علي كفي اليمنى وأمي علي اليسرى ، مضيت معهما صوب الخيمة ، والجمع من خلفي ، عند باب الخيمة وقفت ، نظرت لأبي ونظرت لأمي ، قال أبي : ـ " الآن موعد ختانك " . أشرت بكفي فتوقفوا راضخين ، ولجت الخيمة ، كان الضوء قد تسلل إليها وأضاءها ، لمحت الشيخ " زيد " مزين النجع يمسك مشرطه اللامع يعبث بشعيرات لحيته ويبتسم ، تقدمت منه فقال : ـ " انتظر " . قلت : ـ " إني عجول " . قال : ـ " لا تكن .. ما زالت الأيام أمامك " . قلت : ـ " ولكن ! " . قال : ـ " اصمت " . وسمعت أذان الفجــر يأتي بصوت محبب ، كان صوت الشــاعر " عبد البديع " .. قال : ـ " الآن " . فكشفت عن ذكورتي فأجرى المشرط بالختان وخرجت معه ، أطلقت أمي زغرودةً وفرَّت من عينها دمعةً ، كانوا يتهيأون للصلاة في غبشة الفجر فركعت وسجدت معهم ، ولما انتهيت من صلاتي وجدت الحصان الأصهب يحمحم فوقفت اتحسس شعره اللامع المندَّى ، السرج ، الركاب ، وهو يضرب بحافره الأرض ويشرع عنقه للسماء . لم انتظر أبي هذه المرَّة فقد قفزت علي صهوة الحصان فابتسم لي وقال : ـ " تم المراد " . صاحوا من خلف : ـ " مبروك يا شيخ قحطان " . فرت من عين أمي دمعة أخرى دارتها عن القوم ، ولمحت ابتسامتها المضيئة ، وعرفت أنها دمعة فرح . ناولني أبي السيف والمهماز ، ومدَّ يده في صدري وولج البطين في قلبي وتأكد من وجود الكتاب واطمأن وقــال : ـ " الآن .. هيَّا يا عدنان .. الأرض والفضاء طوع يديك " . ولوَّح الجميع : ـ " مع السلامة .. لكن لا تنس " . غمزت الحصان بالمهماز فانطلق يعدو ضارباً بحوافره الأرض ، وانبثق له جناحان ثم علا ، وطفوت فوق السحاب ، ولمحت من البعيد قرص الشمس الأحمر العفي يشرق فيغمرني الضياء . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) رقصتان عربيتان . (3) خبز يصنعه البدو . ــــــــــــــــــــــــــــــ هذا النص نشر أولاً في مجلة " الوحدة " التي كانت تصدر من المغرب في أوائل التسعينيات ، ثم نشر مع مجموعتي القصصية ( الحكاية وما فيها ) عام 1995 م الصادرة في سلسلة أصوات أدبية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة . محمد عبد الله الهادي4-07-2004, 07:55 pmمعذرة .. سقط حرف في السطر 12 من القصة : ـ " لا تنس يا عدنان عندما تشرق أو تغرب
|