خبر عاجل Flash News

موقع مستقل و رأي حرً

الصفحة الرئيسية Home page arrow مركز الأخبار News Center arrow أخبار الصحف arrow اغتيال الصحافي و المؤرخ سمير قصير
اغتيال الصحافي و المؤرخ سمير قصير PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
الكاتب/ ادارة الموقع   
الصحافة في لبنان: سمير قصير شهيدا
طلال سلمان
  
... وكان لا بد أن يطاول الإرهاب الصحافة أيضاً بوصفها المعبر عن ضمير الناس، وأن يهدر دماء أصحاب الرأي من أهل الثقافة، فكان أن اختار <<القلم الوسيم>> سمير قصير.
ومثلما لم يكن أحد في لبنان وخارجه يتوقع زلزالاً بحجم اغتيال الرئيس شهيد رفيق الحريري ومعه النائب الشهيد باسل فليحان وسائر من كان من الرجال في الموكب أو قريباً من مساره، فإن سمير قصير لم يكن يجول في باله، أو في بال أي من أصدقائه وزملائه في <<النهار>> وخارجها انه سيكون هدفاً ليد الإرهاب السوداء.. فهو بداية وانتهاء لم يكن يحمل من <<السلاح>> إلا أفكاره وموقفه السياسي، وإلحاحه على التغيير، والسعي بالقلم وحده لنصرة الديموقراطية وإعادة لبنان إلى دوره كنوارة في محيطه العربي.

مع ذلك، ومثلما فجّر الإرهاب موكب الشهيد رفيق الحريري ومن معه، في عز النهار، وفي قلب العاصمة التي صارت عشقه الأعظم وصيّرها بين أجمل المدائن، كذلك ضرب الإرهاب الصحافة في لبنان بشخص الزميل سمير قصير.
ففي عز النهار، وفي قلب بيروت، وعند باب مدرسة، وأمام سوق تجاري يؤمه الناس جميعاً، امتدت الأيادي السوداء لاغتيال كاتب متميز، واسع الثقافة، غزير الانتاج، دمث المعشر، لم يحمل في حياته من <<الممنوعات>> إلا علمه وقلمه.
في عز النهار، وفي قلب بيروت التي أعطاها سمير قصير بعض عمره ليؤرخ لها فأنجز عنها كتاباً يشابه قصيدة حب لهذه المدينة، أميرة الحزن العربي، وثابة الروح، النابضة بالحرية، المستعصية على التدجين، والتي <<احترقت ولم ترفع الاعلام البيضاء>> عندما اجتاحها العدو الإسرائيلي في مثل هذه الأيام من العام 1982.
.. في قلب بيروت التي كتب فيها سمير قصير، للبنانيين وسائر العرب عموماً، بل وللعالم، <<شهادة>> عن الحرب الأهلية يمكن اعتبارها بين المراجع الأهم عن تلك الحقبة المريرة من تاريخ لبنان،
في قلب بيروت التي ظلت لسمير قصير محطة وسطاً وصلة وصل متميزة بنضارتها وعصريتها ورابطاً عائلياً بين لبنان وسوريا وفلسطين، مثله، والتي فيها ومنها وعبرها أنجز أيضاً سفره الممتاز عن <<الطريق إلى القدس>> الذي لا غنى عنه لمن يريد أن يعرف فلسطين عبر قراءته والتبصر في ما جرى وما يجري بعده، مما شهدنا ونشهد.
في عز الظهر وفي قلب بيروت هذه المدينة الوثابة الروح، والتي وفرت لسمير قصير المناخ المؤاتي والتجربة الغنية فكرياً وسياسياً لكي ينجز نتاجاً ثقافياً من أرفع مستوى، وقعت الجريمة التي تستهدف كل صاحب رأي، وكل صاحب قلم، وكل صاحب موقف يفترض انه سيسهم في شق الطريق إلى المستقبل الأفضل.
 
ما أشبه اليوم بالبارحة:
ففي الثامن من أيار 1958، وفي جو من المواجهة المكشوفة بين <<السلطة>> آنذاك وبين جبهة المعارضة الاتحاد الوطني التي كانت تضم أركان السياسة في البلاد الذين تحدى الرئيس الراحل كميل شمعون الرأي العام بإسقاطهم في انتخابات 1957 النيابية، في محاولة لتمرير التمديد لولايته التي كانت ستنتهي بعد شهور قليلة،
في صبيحة ذلك اليوم من أيار 1958، وفي قلب بيروت، امتدت يد الغدر إلى الصحافة في لبنان ممثلة بمؤسس جريدة <<التلغراف>>، ورئيس تحريرها الشهيد نسيب المتني، فاغتالته أمام منزله.
ولقد كانت <<التلغراف>> الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، صوت المعارضة ومنبرها الاخطر، يتناوب على الكتابة لها وفيها وعلى تزويدها بالأخبار كل أقطاب ذلك الزمن من السياسيين وبينهم صائب سلام وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وأحمد الأسعد وحسين العويني الخ.
كذلك فإن رئيس تحريرها كان يطلع كل صباح على اللبنانيين بمقالاته النارية، فاضحاً الفساد وسوء الإدارة، ومحاولة الاستعانة بالخارج ضد الداخل، مطالباً <<سيد العهد>> بالرحيل كشرط لإنقاذ لبنان من احتمالات الحرب الأهلية.
في الصباح الباكر من الثامن من أيار 1958، كان نسيب المتني، كعادته كل يوم، يتخذ طريقه من بيته إلى مكاتب <<التلغراف>>، ففوجئ بكمين ينتظره، وبرصاص الحقد ينهال عليه، فاستشهد على الفور... وفر الجناة!
ولقد أصاب ذلك الرصاص اللبنانيين جميعاً، فهبوا إلى انتفاضة شعبية كادت تتحول إلى فتنة، لولا تطورات خارجية حسمت أمر <<التمديد>>، ولولا حكمة فؤاد شهاب الذي منع إنزال الجيش لمواجهة الشعب، حتى نهاية الولاية... دستورياً.

لقد اغتال الإرهاب <<القلم الوسيم>> سمير قصير،
... ولم يكن أمام اللبنانيين، والعالم، من متهم يوجهون إليه أصابعهم غير <<بطل الاغتيالات>> نفسه، الذي باشر مهمته القذرة بمحاولة اغتيال النائب مروان حمادة، ثم كانت جريمته الشنيعة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وها هو يضرب، مرة أخرى مستهدفاً الآن الصحافة، باعتبارها صوت الغضبة الشعبية الرافضة لسلطة الإرهاب، والمناضلة من أجل الديموقراطية والوحدة الوطنية.
.. الصحافة في حداد، مع رحيل <<قلمها الوسيم>>، لكنها أيضاً في موقع التحدي، رفضاً للإرهاب، وإصراراً على حق اللبنانيين في استكمال بناء دولتهم، بالديموقراطية وباتفاق الطائف الذي يشكل الإطار والضمانة لوحدتهم الوطنية.
وكما ان دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، لم تذهب هدراً، فإن هذا الجدول الجديد الذي أضافه الإرهاب إليها باغتياله سمير قصير، سيعجل في إسقاط سلطة الظلام والعداء للفكر والكلمة المشعة.
و<<العزاء>> للصحافة العربية عموماً، ولصحافة لبنان والزميلة <<النهار>> على وجه الخصوص، ولعائلة الشهيد سمير قصير، الزميلة جيزيل خوري وجميع أفراد أسرته الصغيرة وكذلك أسرته الكبيرة التي تشمل كل مؤمن بالحرية وبالديموقراطية وبالرأي والثقافة والكلمة المشعة طريقاً إلى الغد الأفضل.
 
سمير قصير:
زاوية في القلب انطفأت
جوزف سماحة
 
 

لم يكن سمير قصير في <<انتفاضة الاستقلال>> أحد الأكثر جذرية فحسب، كان، وهذا هو الأهم، أحد الأكثر نبلاً. كان كذلك لأنه امتلأ ثقة بالصلات التي يمكن عقدها بين شعوب لبنان وفلسطين وسوريا وبينها وبين العرب جميعاً. من يريد أن يفتش عن سر اغتياله عليه أن يفتش في هذه النقطة بالضبط.
كان يدرك أنه يجازف. لا بل جازف كثيراً. واستمر واقفاً عند دائرة الخطر مبتسماً وجامعاً بين اعتداد بالنفس وبين تفاؤل لا شفاء منه. كان يكتب ليزداد ثقة، وليستفز، وليحرّض. كان يحاول أن يختزن في مقاله الأسبوعي غضب الأيام التي تفوته من دون أن يتمتع بحقه في التعبير الجريء.
هل كان لبنانياً؟ هل كان فلسطينياً؟ هل كان سورياً؟ كان مزيجاً من هذه الوطنيات المهانة من الخارج والتي لا تتورع، أحياناً، أن تهين واحدة منها الأخرى. كان يرى لبنانيته في ضوء فلسطينيته ويراهما في مرآة الشعب السوري رابطاً خلاص هذه الشعوب بالأفق الديموقراطي الواجب فتحه أمامها.
كان التباين معه تمريناً ممتعاً يذهب، بسرعة، إلى الحدود القصوى. ذلك أنه كان حاداً لا يساوم، ولا يتردد أمام مغامرات فكرية تجعله يخوض، اليوم، معارك الغد. وهو، إذ يفعل ذلك، إنما يفعله استناداً إلى وعي المؤرخ الذي سنبقى مدينين له بالكتاب المرجع عن فرنسا والقضية الفلسطينية (كتبه مع صديقه فاروق مردم بك)، وبالكتاب الأكاديمي الأبرز عن حروب لبنان، وبالكتاب الرائع عن بيروت.
نادراً ما أحسن شخص واحد الجمع بين المقال الأسبوعي المشحون بالتوتر وبين السرد التاريخي الذي يضع اليوميات في سياق أعم. نادراً ما أحسن شخص الانتقال جيئة وذهاباً بين المؤرخ والصحافي. والصحافي، هنا، تتجاوز كثيراً كتابة مقال. فتجارب سمير المبكرة في الصحافة اللبنانية الفرنكوفونية، ثم في <<اليوم السابع>> في باريس، ثم في تلك المطبوعة الاستثنائية في إبداعها <<أوريان اكسبرس>>، كما تجاربه في المجلات البحثية الخاصة بالقضية الفلسطينية، إن هذه التجارب تدل على خيال جامح، وثقافة واسعة، وريادية مهنية، وانفتاح لا حدود له على كل جديد في عالم النشر.
لم يستشهد سمير قصير لأنه كاتب، أو مثقف، أو صحافي، أو مؤرخ. استشهد لأنه وضع ذلك كله في خدمة هدف. استشهد لأنه طوّر موقفاً حاسماً في الشأنين اللبناني والسوري عاطفاً ذلك على همّ فلسطيني لم يفارقه لحظة. لقد وضع الديموقراطية في خدمة القضايا العربية كما رأى إلى التحرر الوطني بصفته شرطاً من شروط تمتع الفرد بمواطنيته وحرياته.
إذا كانت <<انتفاضة الاستقلال>> ديموقراطية فعلاً فسمير قصير رمزها. وإذا كانت غير طائفية فعلاً فهو رمزها. وإذا كانت رسالة لبنانية إلى العرب فهو رمزها. وإذا كانت وعداً بلقاء جديد مع سوريا فهو رمزها. وإذا كانت نافية للعنصرية فهو رمزها. وإذا كانت صورة عن لبنان الرافض التخلي عن فلسطين فسمير رمزها. غير أن هذه الانتفاضة كانت هجينة أكثر من ذلك وكان شديد الانخراط فيها، عالي النبرة حيال أي انتقاد لها، شديد الرهان على ديناميتها اللبنانية والعابرة للحدود. كان يبدو متقاطعاً معها علماً أنه قادم من خلفية اعتراضية على بعض قواها وذاهب نحو طموحات تتجاوز بعض من شارك فيها.
اغتيال سمير قصير يهدف إلى إزاحته أولاً، إلى قطع الصلات التي أقامها مع مثقفين ومعارضين عرب، إلى ترويع اللبنانيين، إلى إظهار أن الجثة تستطيع أن تقتل حتى وهي تتحلل.
يصعب إيجاد شخص يتعاطى الشأن العام لم يختلف مرة مع سمير قصير. تلك كانت الضريبة التي يدفعها بحبور طفولي من أجل استقلالية رأيه ومن أجل الدفاع عن حقه في أن يعلنه بالأسلوب الذي يراه مناسباً. ويمكن جمع عدد من الشهادات التي تؤكد أنه لم يهادن يوماً، وأنه كان جارحاً حتى في لحظة التباينات المحدودة في الآراء.
سيفتقد القراء كتاباته. لكن فقدانه كصديق يبقى فوق الاحتمال. ولا عزاء في الاعتذار منه عن القليل الذي يفرّق قياساً بالكثير الكثير الذي يجمع. لا عزاء لأن المشاكس غاب ولأن قاتله أطفأ زاوية في القلب.
 
كان يعشق الحرية
اسكندر نجار     الحياة     2005/06/3

صعقت لخبر اغتيال الصحافي الكبير سمير قصير. صحيح أننا لم نكن دائماً على اتفاق تام حول شتى المواضيع غير أنه كان يوجد احترام متبادل في ما بيننا. اذكر السهرة التي مُنح فيها جائزة «الفنيكس» للآداب لكتابه المميز «تاريخ بيروت»، كما اذكر الندوة التي اقيمت اخيراً في معرض الكتاب في باريس، حيث تميّز بتحليله العميق وبجرأته المعتادة. عشية اغتياله، التقينا مع صديقة لنا في الاشرفية، فوجدته مرتاحاً وفي الوقت نفسه مصمّماً على متابعة نضاله من اجل الحرية. سألته عن مشاريعه الادبية، فقال لي: «لدي اربعة مشاريع لكنني لم اقرر بعد أي مشروع منهما اختار». فنصحته بأن يختار مشروعاً يتناول فيه الاحداث التي نعيشها اليوم. وفجأة توقف كل شيء وغادر سمير هذا البلد الذي طالما كافح من اجله ومن اجل تحريره من بعض رؤساء الاجهزة الامنية الذين حوّلوا لبنان معتقلاً والذين دبّروا له هذه الجريمة الدنيئة.

كان سمير قصير يعشق الحرية. وهو اليوم يترك هذا الوطن لينتقل الى عالم لا كمامة فيه ولا قيود ولينضمّ الى قافلة شهداء الصحافة، شهداء حرية التعبير، شهداء لبنان

جرأة بلا تطرف
لوسيان جورج     الحياة     2005/06/3

أول ما يخــطر ببـــالي في هذه اللحظات الحزينة الجرأة الكبـــيرة التي كان سمير يتمتع بها والتي ربمـــا أودت بـــحياته. كان موسوعة، يملك المعلومات الموثقة ويبني قناعاته على دراسات قبل أن يجهر بها.

سمير قصير من القلائل الذين يجيدون ربط أفكارهم ومعلوماتهم الكثيرة بعضها ببعض لتنجم عنها دراسات وتحليلات مقنعة. نفسه في الأبحاث طويل، وأكبر دليل على ذلك كتابه الأخير عن بيروت، الذي تطلب 10 سنوات من العمل.

وعلى رغم انتقاداته الكثيرة واللاذعة، كان بعيداً من التطرف، وهو ما صرح به في ساحة الشهداء خلال الاعتصامات التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لا أدري من في إمكانه أن يملأ هذا الفراغ الكبير من بعده. جرأته، صراحته، تحليلاته، ربطه للأمور بعضها ببعض، نظرته الثاقبة، وضوحه. لم أعتد بعد أن أتكلم عنه بصيغة الغائب!


(مراسل صحيفة لوموند  الفرنسية – بيروت)

 

 
< السابق